فأما « القرآن » فإن المفسرين اختلفوا في تأويله . والواجب أن يكون تأويله على قول ابن عباس : من التلاوة والقراءة ، وأن يكون مصدرا من قول القائل : قرأت ، كقولك « الخسران » من « خسرت » ، و « الغفران » من « غفر اللّه لك » و « الكفران » من « كفرتك » ، و « الفرقان » من « فرق اللّه بين الحق والباطل » .
1 - وذلك أن يحيى بن عثمان بن صالح السهمي حدثني ، قال : حدثنا عبد اللّه بن صالح ، قال : حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله :
فَإِذا قَرَأْناهُ
، يقول : بيّناه ،
فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
« 1 » ، يقول : اعمل به .
ومعنى قول ابن عباس هذا : فإذا بيّناه بالقراءة ، فاعمل بما بيّناه لك بالقراءة . ومما يوضح صحة ما قلنا في تأويل حديث ابن عباس هذا ، ما :
2 - حدثني به محمد بن سعد ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن عبد اللّه بن عباس :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
« 2 » ، قال : أن نقرئك فلا تنسى
فَإِذا قَرَأْناهُ
عليك
فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
يقول : إذا تلي عليك فاتّبع ما فيه .
قال أبو جعفر : فقد صرّح هذا الخبر عن ابن عباس : أنّ معنى « القرآن » عنده القراءة ، فإنه مصدر من قول القائل : قرأت ، على ما بيّناه .
وأما على قول قتادة ، فإن الواجب أن يكون مصدرا ، من قول القائل : قرأت الشيء ، إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض ، كقولك : « ما قرأت هذه الناقة سلّى قطّ » ، تريد بذلك أنها لم تضمم رحما على ولد ، كما قال عمرو بن كلثوم التغلبي :
تريك - إذا دخلت على خلاء ، * وقد أمنت عيون الكاشحينا
ذراعي عيطل ، أدماء ، بكر * هجان اللون ، لم تقرأ جنينا
يعني بقوله : « لم تقرأ جنينا » ، لم تضمم رحما على ولد .
3 - وذلك أن بشر بن معاذ العقديّ حدثنا قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة في قوله تعالى :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
، يقول : حفظه وتأليفه ،
فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ
اتبع حلاله ، واجتنب حرامه .
هامش
( 1 ) سورة القيامة : الآية 18 .
( 2 ) سورة القيامة : الآية 17 .