بيان في الوحي
قال عبد القادر :
« واعلم أنّ معنى الوحي : الايماء بالتكليم خفية عن أن يفهمه الغير ، وأصله الإشارة السريعة على سبيل الرمز والتعريض ، وقد يكون بصوت مجرد عن التركيب وبإشارة بعض الجوارح وبالكتابة ، وحمل عليه قوله تعالى حكاية عن زكريا عليه السّلام :
فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
« 1 » ، ولم يتكلم .
وحمل على الإيماء قول الشاعر :
نظرت إليها نظرة فتحيرت * دقائق فكري في بديع صفاتها
فأوحى إليها الطرف أني أحبها * فأثّر ذاك الوحي في وجناتها
وقول الآخر :
أشارت بطرف العين خيفة أهلها * إشارة محزون ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا * وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم
وحمل على الإشارة قوله تعالى :
آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً
« 2 » .
هذا ، وقد اتخذت الملوك والأمراء حروفا وكلمات بأرقام اصطلحوا عليها وعبّروا عنها باسم شفرة ، كناية عن هذا المعنى ، واستنباطا منه ، منعا من أن يفهم الغير ما يتخابرون به ، لأن اللّه تعالى علم البشر كيف يتخاطبون ، وكيف يتنعمون ، وكيف يعذبون ويعذبون ، مما وصفه من أحوال أهل الجنة والنار ، وقصّه في كتابه المنزل هذا وكتبه السابقة أيضا ،
هامش
( 1 ) سورة مريم : الآية 11 .
( 2 ) سورة آل عمران : الآية 41 .