بموصوفها حتى في غير اللّه ، فان الكلام كيفية عارضة للصوت الحاصل من تموج الهواء ، وهو أمر قائم بالهواء لا بالمتكلم . والمبدأ في الصيغة المذكورة هو التكلم . ولا نعقل له معنى غير ايجاد الكلام ، فاطلاقه على اللّه وعلى غيره بمعنى واحد .
وأما قول المستدل : « إن هيئة اسم الفاعل وضعت لإفادة قيام المبدأ بالذات قيام الوصف بالموصوف » فهو غلط بيّن ، فان الهيئة إنما تفيد قيام المبدأ بالذات نحوا من القيام . أما خصوصيات القيام من كونها ايجادية أو حلولية أو غيرهما فهي غير مأخوذة في مفاد الهيئة وهي تختلف باختلاف الموارد ، ولا تدخل تحت ضابط كلي ، فالعالم والنائم مثلا لا يطلقان على موجد العلم والنوم ، لكن القابض والباسط والنافع والضار تطلق على موجد هذه المبادئ وعليه فعدم صحة إطلاق المتحرك على موجد الحركة لا يستلزم عدم صحة اطلاق المتكلم على موجد الكلام .
وحاصل ما تقدم :
أن الكلام النفسي أمر خيالي بحت لا دليل على وجوده من وجدان أو برهان .
ومن المناسب أن نختم الكلام بما ذكره الإمام أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام في هذا الموضوع .
فقد روى الشيخ الكليني باسناده عن أبي بصير . قال :
« سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : « لم يزل اللّه عزّ وجلّ ربنا ، والعلم ذاته ولا معلوم ، والسمع ذاته ولا مسموع ، والبصر ذاته ولا مبصر ، والقدرة ذاته ولا مقدور . فلما أحدث الأشياء وكان المعلوم وقع العلم منه على المعلوم ، والسمع على المسموع ، والبصر على المبصّر ، والقدرة على المقدور » . قال : قلت : فلم يزل اللّه متحركا ؟ قال : فقال : « تعالى اللّه عن ذلك ، إن الحركة صفة محدثة بالفعل » . قال : فقلت : فلم يزل اللّه متكلما ؟ قال : فقال :
« إن الكلام صفة محدثة ليست بأزلية ، كان اللّه عزّ وجلّ ولا متكلّم « 1 » »
« 2 » .
هامش
( 1 ) أصول الكافي باب صفات الذات ص 51 .
( 2 ) البيان ص 431 - 440 .