هامش
- فخففوا ، ولو فعلوا ذلك لخرج كلام كثير من حد كلامهم ؛ لأنه ليس من كلامهم أن تثبت الياء والواو ثانية فصاعدا وقبلها فتحة ، إلا أن تكون الياء أصلها السكون . وسنبين ذلك في بابه ، إن شاء الله .
والألف تحتمل أن يكون الحرف المهموز بعدها بين بين ؛ لأنها مد ، كما تحتمل أن يكون بعدها ساكن ، وذلك قولك في « هباءة » : هبااة ، وفي « مسائل » : مسايل ، وفي « جزاء أمه » : جزاؤ أمه .
وإذا كانت الهمزة المتحركة بعد واو أو ياء زائدة ساكنة لم تلحق لتلحق بناء ببناء ، وكانت مدة في الاسم والحركة التي قبلها منها بمنزلة الألف ، أبدل مكانها واو إن كانت بعد واو ، وياء إن كانت بعد ياء ، ولا تحذف فتحرك هذه الواو والياء فتصير بمنزلة ما هو من نفس الحرف ، أو بمنزلة الزوائد التي مثل ما هو من نفس الحرف من الياءات والواوات .
وكرهوا أن يجعلوا الهمزة بين بين بعد هذه الياءات والواوات إذ كانت الياء والواو الساكنة قد تحذف بعدها الهمزة المتحركة وتحرك ، فلم يكن بد من الحذف أو البدل ، وكرهوا الحذف ؛ لئلا تصير هذه الواوات والياءات بمنزلة ما ذكرنا . وذلك قولك في « خطيئة » : خطيّة ، وفي النسيء : النسيّ يا فتى ، وفي « مقروء » ، و « مقروءة » : هذا مقروّ ، وهذه مقروّة ، وفي « أفيئس » وهو تحقير « أفؤس » : أفيّس ، وفي « بريئة » بريّة ، وفي « سويئل » : وهو تحقير سائل سويّل ، فياء التحقير بمنزلة ياء « خطيّة » وواو « الهدوّ » ، في أنها لم تجئ لتلحق بناء ببناء ، ولا تحرك أبدا بمنزلة الألف . وتقول في « أبي إسحاق » و « أبو إسحاق » : أبيسحاق وأبو سحاق . وفي « أبى أيوب » و « ذو أمرهم » : ذومرهم وأبىيّوب ، وفي « قاضى أبيك » : قاضى بيك ، وفي « يغزو أمه » : يغزومّه ؛ لأن هذه من نفس الحرف .
وتقول في « حوأبة » : حوبة ؛ لأن هذه الواو ألحقت بنات الثلاثة ببنات الأربعة ، وإنما هي كواو « جدول » ؛ ألا تراها لا تغير إذا كسرت للجمع تقول : حوائب ؟ ! فإنما هي بمنزلة عين « جعفر » .
وكذلك سمعنا العرب الذين يخففون يقولون : اتبعوا مره ؛ لأن هذه الواو ليست بمدة زائدة في حرف الهمزة منه ، فصارت بمنزلة واو يدعو . وتقول : اتبعى مره ، صارت كياء « يرمى » حيث انفصلت ، ولم تكن مدة في كلمة واحدة مع الهمزة ؛ لأنها إذا كانت متصلة ولم تكن من نفس الحرف أو بمنزلة ما هو من نفس الحرف ، أو تجئ لمعنى ، فإنما تجىء لمدة لا لمعنى . وواو « اضربوا » و « اتبعوا » ، هي لمعنى الأسماء ، وليس بمنزلة الياء في « خطيئة » تكون في الكلمة لغير معنى . ولا تجىء الياء مع المنفصلة لتلحق بناء ببناء فيفصل بينها وبين ما لا يكون ملحقا بناء ببناء .
فأما الألف فلا تغير على كل حال ؛ لأنها إن حركت صارت غير ألف . والواو والياء تحركان ولا تغيران .
واعلم أن الهمزة إنما فعل بها هذا من لم يخففها ؛ لأنه بعد مخرجها ، ولأنها نبرة في الصدر تخرج باجتهاد ، وهي أبعد الحروف مخرجا ، فثقل عليهم ذلك ؛ لأنه كالتهوّع .