تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير ) — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
هامش
تبدل مكان كل همزة ساكنة الحرف الذي منه الحركة التي قبلها ؛ لأنه ليس شئ أقرب منه ولا أولى به منها . وإنما يمنعك أن تجعل هذه السواكن بين بين أنها حروف ميتة ، وقد بلغت غاية ليس بعدها تضعيف ، ولا يوصل إلى ذلك ، ولا تحذف ؛ لأنه لم يجئ أمر تحذف له السواكن ، فألزموه البدل كما ألزموا المفتوح الذي قبله كسرة أو ضمة البدل . وقال الراجز :عجبت من ليلاك وانتيابها * من حيث زارتني ولم أورا بهاخفف : ولم أورأ بها ، فأبدلوا هذه الحروف التي منها الحركات ؛ لأنها أخوات ، وهي أمهات البدل والزوائد ، وليس حرف يخلو منها أو من بعضها ، وبعضها حركاتها . وليس حرف أقرب إلى الهمزة من الألف ، وهي إحدى الثلاث ، والواو والياء شبيهة بها أيضا مع شركتهما أقرب الحروف منها . وسنرى ذلك ، إن شاء الله . واعلم أن كل همزة متحركة كان قبلها حرف ساكن ، فأردت أن تخفف - حذفتها ، وألقيت حركتها على الساكن الذي قبلها . وذلك قولك : من بوك ومن ومك وكم بلك ، إذا أردت أن تخفف الهمزة في : الأب والأم والإبل . ومثل ذلك قولك : الحمر ، إذا أردت أن تخفف ألف « الأحمر » . ومثله قولك في المرأة : المرة ، والكمأة : الكمة . وقد قالوا : الكماة والمراة . ومثله قليل . وقد قال الذين يخففون :أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ[ النمل : 26 ] ، حدثنا بذلك عيسى ، وإنما حذفت الهمزة هاهنا ؛ لأنك لم ترد أن تتم وأردت إخفاء الصوت ، فلم يكن ليلتقى ساكن وحرف هذه قصته ، كما لم يكن ليلتقى ساكنان ؛ ألا ترى أن الهمزة إذا كانت مبتدأة محققة في كل لغة فلا تبتدئ بحرف قد أوهنته ؛ لأنه بمنزلة الساكن ، كما لا تبتدئ بساكن ، وذلك قولك : أمر ؟ ! فكما لم يجز أن تبتدأ ؛ فكذلك لم يجز أن تكون بعد ساكن ، ولم يبدلوا لأنهم كرهوا أن يدخلوها في بنات الياء والواو اللتين هما لأمان . فإنما تحتمل الهمزة أن تكون بين بين في موضع لو كان مكانها ساكن جاز ، إلا الألف وحدها فإنه يجوز ذلك بعدها ، فجاز ذلك فيها ، ولا تبالى إن كانت الهمزة في موضع الفاء أو العين أو اللام ، فهو بهذه المنزلة إلا في موضع لو كان فيه ساكن جاز . ومما حذف في التخفيف لأن ما قبله ساكن قوله : أرى وترى ويرى ونرى ، غير أن كل شئ كان [ في ] أوله زائدة سوى ألف الوصل من « رأيت » فقد اجتمعت العرب على تخفيفه ؛ لكثرة استعمالهم إياه ، جعلوا الهمزة تعاقب . وحدثني أبو الخطاب أنه سمع من يقول : قد أرآهم ، يجيء بالفعل من « رأيت » على الأصل ، من العرب الموثوق بهم . وإذا أردت أن تخفف همزة « ارأوه » قلت : روه ، تلقى حركة الهمزة على الساكن وتلقى ألف الوصل ؛ لأنك استغنيت حين حركت الذي بعدها ؛ لأنك إنما ألحقت ألف الوصل للسكون . ويدلك على ذلك : ر ذاك ، وسل ، خففوا : ارأ ، واسأل . وإن كانت الهمزة المتحركة بعد ألف لم تحذف ؛ لأنك لو حذفتها ثم فعلت بالألف ما فعلت بالسواكن التي ذكرت لك لتحولت حرفا غيرها ؛ فكرهوا أن يبدلوا مكان الألف حرفا ويغيروها ؛ لأنه ليس من كلامهم أن يغيروا السواكن فيبدلوا مكانها إذا كان بعدها همزة -