تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
ذكر في سورة النساء :
وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
وفي سورة الحديد :
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
وفي غيرها
ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
؟ الجواب عنه أن يقال : إن الآية الأولى وهي قوله :
يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ
وإن كانت عامة في كل صادق مؤمن فإنها خرجت على ما يبكت اللّه به النصارى من دعاويهم الباطلة ومقالاتهم الكاذبة منسوبة إلى عيسى عليه السّلام في قوله :
وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ
« 1 » فانكشف هذا عن صدقه عليه السّلام وكذب القوم لما أجاب وقال :
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ
« 2 » فلفظة الصادقين في قوله :
هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ
والصادقون يجوز أن يكون منصرفا إلى عيسى وأمثاله من الأنبياء صلوات اللّه عليهم الذين صدقوا في الدنيا فنفعهم صدقهم لقوله عز وجلّ :
بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ
« 3 » أي : قال هم صادقون فتكون الإشارة بالألف واللام إليهم صلوات اللّه عليهم ، وإن كان كل صادق داخلا في حكمهم من الانتفاع بصدقهم ، وكذلك الآية التي في آخر المجادلة خرجت على ذكر الرسل لقوله تعالى :
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
« 4 » ثم قال :
أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي
« 5 » ثم قال :
أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
« 5 » فكان الذي أخبر عنهم بأن لهم
جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
الأنبياء وغيرهم صلوات اللّه عليهم و « من » لابتداء الغاية ، والأنهار أشرف مباديها ، والجنات التي مباديها الأنهار من تحت أشجارها أشرف من غيرها فكل موضع ذكر فيه « من تحتها » إنما هو لقوم عام فيهم الأنبياء ، والموضع الذي لم يذكر فيه « من » إنما هو لقوم مخصوصين ليس فيهم الأنبياء ، ألا ترى إلى قوله في سورة براءة :
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً
فجعل مبادئ الأنهار تحت جنات أخبر أنها للصادقين والمؤمنين والذين عملوا الصالحات ومنهم الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، لا بل هم أولهم ، فالمعتاد أنها أشرف الأنهار ، والآية التي في سورة براءة قد خرج الأنبياء عنها ؛ لأن اللفظ يشتمل عليهم فلم يخبر عن جناتهم بأن أشرف الأنهار على مجرى العادة في الدنيا تحت أشجارها ، كما أخبر به عن الجنات التي جعلها اللّه لجماعة خيارهم الأنبياء عليهم السّلام ، إذ لا موضع في القرآن ذكرت
هامش
( 1 ) سورة : المائدة ، الآية : 116 . ( 4 ) سورة : المجادلة ، الآية : 21 . ( 2 ) سورة : المائدة ، الآية : 117 . ( 5 ) سورة : المجادلة ، الآية : 22 . ( 3 ) سورة : الصافات ، الآية : 37 .