للسائل أن يسأل فيقول : الموضع الذي وصف فيه من لم يحكم بكتاب اللّه بالكفر هل باين الموضع الذي وصف فيه تارك حكم اللّه بالظلم والفسق ؟
الجواب أن يقال إن الآية الأولى قوله :
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
« 1 » قال فيها بعض أهل النظر : إن من فيها ليست كمن في المجازاة ، وإنما هي بمعنى « الذين » ، ويصح دخول الفاء في جوابها كما تدخل في جواب الشرط لتضمنها ذلك المعنى ، وإن كان لا يجازى بها وهو كقوله : الذي يزورني فله درهم ، فقد أوجب له بالزيارة الدرهم وإن لم يرد : من يزرني فله درهم ، فقوله :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
في هذه الآية المراد به اليهود الذين كانوا يبيعون حكم اللّه بما يشترونه من ثمن قليل يرتشونه فيبدلون حكم اللّه باليسير الذي يأخذونه فهم يكفرون بذلك ، فأما أن يكون الحكم بخلاف ما أنزل اللّه كفرا فهو مذهب الخوارج يذهبون بمن هنا إلى الشياع الذي يراد في المجازاة ، وهذا مخصوص به اليهود الذين تقدم ذكرهم وتبديلهم حكم اللّه ليكذبوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وذلك كفر . . وأما الآية الثانية فهي فيهم أيضا لقوله :
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
« 2 » ومعناه :
كتبنا على هؤلاء في التوراة ، فرد الذكر إلى الذين هادوا وهم الذين كفرهم لتركهم دين اللّه والحكم بما أنزله ، ثم وصفهم بعد خروجهم عن حكم اللّه في القصاص بين عباده في قتل النفس وقطع أعضائها بأنهم مع كفرهم الذي تقدم ذكره ظالمون ، وكل كافر ظالم لنفسه ، إلا أنه قد يكون كافرا غير ظالم لغيره ، فكأنه وصف في هذه الآية بصفة زائدة على صفة الكفر باللّه وهي ظلمه لعباد اللّه بخروجه في القصاص عن حكم اللّه ،
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ
في هذه الآية المراد بها : الذين لا يحكمون من اليهود . . وأما الآية الثالثة فإنه بعد قوله :
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ
« 3 » ومعناه : قيل لهم في ذلك الزمان ، وأمروا أن يحكموا به
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
فيه قال فيه من حكيت عنه من المتقدمين أنه بمعنى « الذي » ، والذي أذهب إليه أنا أن « من » هاهنا بمعنى المجازاة لا بمعنى الذي كما تقول فيمن لم يحكم بما أنزل اللّه منا أنه لا يبلغ منزلة الكفر ، وإنما يوصف بالفسق ، فلذلك قال :
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
فقد بان لك أن كل موضع من
هامش
( 1 ) سورة : المائدة ، الآية : 44 .
( 3 ) سورة : المائدة ، الآية : 47 .
( 2 ) سورة : المائدة ، الآية : 45 .