تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
فكان ذلك منهم إقرارا ثانيا لرسوله عليه السّلام مثل ما أقروا به للّه تعالى ، والثاني يختار فيه من التخفيف ما لا يختار في الأول ؛ لأن الأول قد وفّى العبارة حقها ، والثانية معتمدة على ما قبلها وهي مكررة ، والعرب تستثقل المعاد ما لا تستثقل غيره ، فاختير في سورة آل عمران ما لم يختر في سورة المائدة لذلك . ثم أذكر فصلا في هذه النون ( مسألة ) اعلم أن النون التي حذفت من « أنا » غير النون التي حذفت من « إني » ، وقد جاء القرآن بهما جميعا ، قوله تعالى :
إِنِّي آنَسْتُ ناراً
« 1 » و
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
« 2 » وجاء على الأصل بعده :
فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي
« 3 » وقال
إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ
« 4 »
وَإِنَّا لَفاعِلُونَ
« 5 » وقال :
وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ
« 6 » في قصة صالح عليه السّلام ، ومن لم يرتض بهذا العلم يتوهم أن النون التي خفف بحذفها « إني » هي التي خفف بحذفها « أنا » وليس الأمر كذلك ؛ لأن التي حذفت من « إني » هي نون العماد اللاحقة مع الياء بدلالة حذفها من نظائرها إذا قلت : لعلي في لعلّني ، وأما النون التي في « أنا » من قولك : أننا ؛ فإنها مع الألف اسم المخبرين عن أنفسهم ، فلا تسقط سقوط التي تجيء مع الياء ، فإذا قلت : « أنا » ، فالنون الساقطة هي الأخيرة من « أن » دون النون اللاحقة مع الضمير بها ، فاعرفه إن شاء اللّه تعالى .

الآية الخامسة منها

قوله تعالى :
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
« 7 » وقال في سورة الأنفال « 8 » :
وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
. للسائل أن يسأل فيقول : ما في الآية الأولى مما يوجب أن يأتي فيها بقوله :
لَكُمْ
وليس في الآية الثانية ؟ وما بال قوله :
بِهِ
قد أخر في الآية الأولى عن قوله
قُلُوبُكُمْ
وقدم في الآية الأخرى عليه ؟ . الجواب أن يقال : أما قوله :
لَكُمْ
في هذه الآية وحذفه من الثانية مع العلم بأن
هامش
( 1 ) سورة : طه ، الآية : 10 . ( 5 ) سورة : يوسف ، الآية : 61 . ( 2 ) سورة : طه ، الآية : 12 . ( 6 ) سورة : هود ، الآية : 62 . ( 3 ) سورة : طه ، الآيتان : 13 و 14 . ( 7 ) سورة : آل عمران ، الآية : 126 . ( 4 ) سورة : القصص ، الآية : 7 . ( 8 ) الآية : 10 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 53 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي