قصة يوم بدر وبيّن اللّه ذلك فيه بلفظ جعله كالعلة لكون النصر بيده ، فكأنه قال في المعنى : النصر ليس
إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ
الذي لا يمنع عما يريد فعله ، و
الْحَكِيمِ
الذي يضع النصر في موضعه ، ففصل ذلك في خبرين على الأصل الواجب في توفية كل معنى حقه من البيان ، والآية التي في سورة آل عمران هي في قصة يوم أحد وهو بعد يوم بدر ، وكان هذا البيان قد حصل فيما جعل خبرا عن النصر في اليوم الأول ، فاقتصر من ذكر مثله في اليوم الثاني على خبر واحد يجري عليه معنى الخبر الثاني مجرى الوصف لاختصار المعنى عن البسط اعتمادا على ما فصل في الخبر عن الأول ، فكان الاختصار بالثاني أليق وكان الثاني له أجمل فخص كل موضع بما رأيت لما ذكرت واللّه أعلم .
الآية السادسة منها
قوله تعالى :
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
« 1 » وقال في سورة العنكبوت « 2 » :
خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
.
للسائل أن يسأل عن اختصاص ما في هذه السورة بالواو من قوله :
وَنِعْمَ
وإخلائها في سورة العنكبوت منها .
الجواب إن الآية من هذه السورة مبنية على تداخل الأخبار ؛ لأن أولها :
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
ف . « أولئك » مبتدأ و « جزاؤهم » مبتدأ ثان و « مغفرة » خبر المبتدأ الثاني ، وهو مع خبره خبر عن المبتدأ الأول ، والجزاء هو الأجر فكأنه قال : أولئك أجزيهم على أعمالهم محو ذنوبهم وإدامة نعمهم وهذا الأجر مفضل على كل أجر يعطاه عامل على عمله ، فنسقت الأخبار بعضها على بعض للتنبيه على النعم التي هديت لرجاء الراجين وأكملت بها منية المتمنين ، والخبر إذا جاء بعد خبر في مثل هذا المكان الذي تفضل فيه المواهب المرغب فيها فحقه أن يعطف على ما قبلها بالواو ، كقولك : هذا جزاء كذا وكذا ، أي : هو ترك المؤاخذة بالذنب والتنعيم في جنة الخلد وتفضيله على كل جزاء جوزي به عامل وذلك تشريف وكرامة .
وأما الجواب عن الآية التي في سورة العنكبوت : فإن ما قبلها مبني على أن يدرج
هامش
( 1 ) سورة : آل عمران ، الآية : 136 .
( 2 ) الآية : 58 .