ويقال : ذلكم كما قال في الآية الأخيرة من الآيتين ، وكما قال :
ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ
وكما قال في مخاطبة الاثنين :
ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
« 1 » وكما قال في مخاطبة النساء :
فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ
« 2 » فيثنى ويجمع على حسب المخاطب ، كما يذكر ويؤنث وينكر كقوله :
قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ
« 3 » فما بال قوله تعالى :
ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
في سورة البقرة فوحد الكاف من ذلك مع جمعها في نظيرها في سورة الطلاق ؟
الجواب عن ذلك أن يقال : إن الكاف تجيء في الكلام اسما للمخاطب وموضعها نصب ، كقولك : رأيتك ، وجر كما في غلامك ، وتجيء متصلة بالأسماء المبهمة التي للإشارة ، وليست باسم ، ولكنها للخطاب ، ويقاربها معنى آخر وهو تبعيد المشار إليه نحو ذاك وذلك وأولئك ، والدليل على أنها ليست اسما ، قوله :
فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ
« 4 » ولو كان اسما مجرورا لما اجتمعت مع نون التثنية كما لا تجتمع معها في قولك : غلاماك ، فلا تقول : غلامانك ، ولا يجوز أن تكون الكاف بعد المبهمة اسما منصوبا لأنه ناصب ، وشيء آخر وهو أن هذه المبهمة معارف ولا تصح إضافتها ، والكاف بعدها ليست باسم مضاف إليه ، فإذا عريت من الاسمية لم تعر من معنى الخطاب ، والمعنى الذي يقاربها مع الخطاب في المبهم أنك تقول : ذا فيكون إشارة إلى قريب ، فإذا قلت ذاك صار بالكاف إشارة إلى بعيد ، فلما عريت الكاف من الاسمية قصد بها إلى أحد المعنيين اللذين وضعت لهما ، كذلك في الأسماء المبهمة ، لما قصد بها معنيان الخطاب والتبعيد جاز أن يعرى من أحدهما ، وهو الخطاب ، ويقتصر بها على معنى التبعيد حسب على حسب قصد القاصد ، وإذا جاءت مثناة اللفظ ، أو مجموعة على حسب حال المخاطبين ، فهي على المعنيين ، وتبيين الموضع الذي يقصد فيه التبعيد وحده لغرض من الأغراض ، دون الخطاب والتبعيد معا يمكن باستقراء كل لفظ من القرآن جاءت فيه ذلك ، والمخاطبون عدة ، وتأمل موضعها من تأمل المواضع الأخر التي ثبتت فيها وجمعت ، واستنباط حكمه يقتضي في ذلك الموضع استعمالها للتبعيد وحده دون الخطاب ، وسنتأمل هذا على استكمال في كل مكان إن شاء اللّه تعالى .
وجواب آخر عن المسألة : وهو أن كل موضع أفردت فيه الكاف والخطاب
هامش
( 1 ) سورة : يوسف ، الآية : 37 .
( 3 ) سورة : مريم ، الآية : 9 .
( 2 ) سورة : يوسف ، الآية : 32 .
( 4 ) سورة : القصص ، الآية : 32 .