تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
فلأنه ذكر قبله
وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
فأخبر عن حالهم فاقتضى تقدم الذكر هذا الوصف . والموضع الرابع :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
في سورة الحديد جاء بعد نهيه عن تمكين الحزن والأسى من النفس على ما يفوت من أحوال الدنيا ، ويفجع به الإنسان من مستفاد النعمى للعلم السابق بأنها عوار مرتجعة ، فكذلك إذا خول منه الكثير لا يمرح بحبه ولا يبطر فيه ، كما قال :
وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
« 1 » أي : فعل المختال فذم الإفراط في الجزع عند المصيبة والفجيعة والغلو في الفرح والمرح عند العطية وكثرة الشبعة ، حتى يخرج عن التواضع مما يحول إلى الكبرياء ، فيبطر ويمرح ويفتخر ، فعقبه بقوله :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
وإنما عقبهم ب
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
لأن المتقدم عليه
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ
« 2 » فكأنه حثهم على الصدقة وإقراض اللّه ، فإن من لم يفعل ذلك يكون بخيلا ، واللّه لا يحب البخيل ، وأما الفرق بين ( الواو ) و ( إن ) ، فإن الواو في أكثر الأحوال لا تكون أجنبية مما قبلها بخلاف « إن » ، فإنها كلمة أجنبية من الكلمتين وضعت لابتداء الكلام ، ففي سورة البقرة وسورة الحديد الكلام متصل بعضه ببعض ، فذكره بواو حيث قال :
يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ
فوصلهما بالواو ، وكذلك في الحديد
وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
والاختيال والفخر إنما يكون من الفرح ، فجمع بينهما بواو ، وأما الموضعان الآخران في سورة النساء فقد تم الكلام فيهما ؛ لأنه في الأول أمرهم بالعبادة وترك الشرك والإحسان بالوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والجار وملك اليمين ، وقد تمت هذه الأوامر ، ثم ابتدأ بقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ
كذا وكذا ، وكذلك الموضع الثاني ؛ لأنه نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلم عن المجادلة عن الذين يختانون أنفسهم فأتم الكلام ، ثم قال :
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً
فاختص كل مكان بالوصف الذي لاق به والسلام . مضى الكلام فيما شابه من سورة البقرة مكانا آخر منها أو من غيرها عن اثنين وثلاثين موضعا وقع فيها السؤال .
هامش
( 1 ) سورة : الإسراء ، الآية : 37 . ( 2 ) سورة : الحديد ، الآية : 18 .