تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
الجواب عن ذلك أن يقال : الآية الأولى في هذه السورة جاءت في قتال أهل مكة ألا ترى ما قبلها
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ
« 1 » ثم قال :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
« 1 » وهذا مختص بقتال قوم مخصوصين من أهل الشرك وهم نازلة الحرم ، فاقتصر على « الدين » من غير توكيد على معنى : حتى يكون الدّين حيث هؤلاء لا في كل مكان ؛ لأنه لا يحصل بقتل مشركي مكة الدّين في كل البلاد ، وقوله :
فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
أي : إن انتهوا عن كفرهم فلا عدوان عليهم ، إنما العدوان على من أقام على الضلالة وظلم نفسه بلزوم الجهالة ، وأما ما في سورة الأنفال فالأمر ورد عاما في قتال كل الكافرين ، ألا ترى أن قبل الآية :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
« 3 » وليس هذا في طائفة من الكفار دون طائفة فإذا كان ذلك كذلك ، وقال بعده :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
أي : لا يكون شرك وكفر اقتضى هذا أن يكون بعده
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
فأمر بإبطال كل كفر قدروا عليه ، وأتبعه قوله :
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
أي : إن انتهوا وانتقلوا إلى الإيمان وكفوكم بما يظهرون من الإسلام عن قتالهم ، فاللّه يعلم عملكم وعملهم على القراءتين جميعا ، فيكون الخطاب للمقاتلين ولفظ المعاتبة للمقاتلين ، ويمكن أن يقال : إن الخطاب في « يعملون » يشمل الكل ؛ لأنه قال :
حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
فكلهم قد صاروا مؤمنين ، فلا جرم أن ضمهم خطاب واحد ، وأعلمهم أنه مجاز لهم على عملهم مطلع على سرائرهم يعرف من كان انتهاؤه عن الكفر لرغبة من رغائب الدنيا ، ومن كان انتهاؤه عنه للتبصر ، فسوّى بين السر والجهر ، واللفظة في ضمنها إذا وردت من القادر الحكيم غاية التخويف والوعيد في العقاب الأليم ، وغاية الترغيب في الثواب العظيم لفرقتي الطاعة والعصيان ، فهذا فرق والسلام .

الآية العشرون

قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
« 4 » وقال في سورة آل عمران « 5 » :
هامش
( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 191 . ( 4 ) سورة : البقرة ، الآية : 214 . ( 3 ) سورة : الأنفال ، الآية : 38 . ( 5 ) الآية : 142 .