تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
ولاختصاصه في الآية الثانية بقوله :
فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وعدوله عن ذكر اللّه إلى ذكر ربك فائدة مخصصة بمكانه . الجواب عن ذلك أن يقال : لكل موضع معنى يوجب اختصاص اللفظ الذي ذكر فيه ، فأما الأول فلأنه لما قال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
« 1 » وختم بقوله :
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ
« 2 » كذا كان بما قدمه مثبتا عليهم إلهيته ؛ لأن الإله هو الذي يحق له العبادة بما له من النعمة ، فلما قدم ذكر ما رزقهم منها وطالبهم بشكرها أتبعه بقوله :
إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
وختم الآية بأن قال :
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
أي : من أنعم عليكم غاية النعمة واستحق بها غاية التعبد والتذلل هو الذي يغفر لكم عند الضرورة تناول ما حرمه عليكم في حال الاختيار رحيم بكم ، وكذلك الآية الثالثة مبنية على مثل هذا ؛ لأن أولها
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
« 3 » فكان مشبها لما قدمنا ذكره ، فقال :
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وأما الثانية فلأنه قدم عليها ذكر أصناف ما خلقه اللّه لتربية الأجسام فقال :
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ
« 4 » فذكر الثمار والحب ، وأتبعه بذكر الحيوان من الإبل والبقر والغنم ، خص هذا الموضع بذكر الرب ؛ لأن الرب هو القائم بمصالح المربوب ، فكان هذا أليق بهذا المكان واللّه أعلم .

الآية السابعة عشرة

قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
« 5 » وفي سورة آل عمران « 6 » :
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
. للسائل أن يسأل فيقول : الإخبار في الموضعين عن أهل الكتاب الذين كتموا ذكر
هامش
( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 172 . ( 4 ) سورة : الأنعام ، الآية : 141 . ( 2 ) سورة : البقرة ، الآية : 173 . ( 5 ) سورة : البقرة ، الآية : 174 . ( 3 ) سورة : النحل ، الآية : 114 . ( 6 ) الآية : 77 .