وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها
« 1 » وقال في آخر هذه السورة :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها
« 2 » .
للسائل أن يسأل فيقول : كيف اختص الموضع الأول بقوله :
فَلا تَقْرَبُوها
والموضع الثاني بقوله :
فَلا تَعْتَدُوها
؟ .
الجواب أن يقال : الأول خرج على أغلظ الوعيد ، كما قال :
وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ
« 3 » وإنما كان نهى عن أكلها لا الدنو منها ، فخرج مخرج قول القائل إذا نهى عن الشيء وشدد الأمر فيه : لا تقرب هذا الشيء ، وما أحسن ما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنع من مقاربة الحرام : « من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » ، وكما يروى عن بعض الصالحين إني لأحب أن يكثف الحاجز بيني وبين ما حرم اللّه ، فلما كانت حالة هذه الموضع الأول نهيا : عن مواقعة النساء في حالة الاعتكاف في المساجد صار فيه تحذير من دواعي المواقعة ، فاقتضى من المبالغة ما لم يقتضه قوله :
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها
فكأنه قال لا تتجاوزوها يعني : المرأة إذا افتدت لمهرها وخالعت زوجها لم يكن عليها إثم ، وهذه حدود نهى عن تعديتها ، والحدود ضربان : حد هو منع من ارتكاب المحظور ، وحد هو فاصل بين الحلال والحرام ، فالأول ينهى عن مقاربته ، والثاني ينهى عن مجاوزته ، وهما المذكوران في هذه السورة وحد النهي عنهما والسلام .
الآية التاسعة عشرة
قوله تعالى :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
« 4 » وقال في سورة الأنفال « 5 » :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
.
للسائل أن يسأل فيقول : لأي فائدة قال في هذه السورة :
وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ
ولم يؤكد وعقبه بقوله :
فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
وفي سورة الأنفال :
وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ
فوكده وأتبعه قوله :
فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
.
هامش
( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 187 .
( 4 ) سورة : البقرة ، الآية : 193 .
( 2 ) سورة : البقرة ، الآية : 229 .
( 5 ) الآية : 39 .
( 3 ) سورة : البقرة ، الآية : 35 .