تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢

الآية الثانية من سورة التكوير

قوله تعالى :
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ
« 1 » وقال بعدها في سورة انفطرت :
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
« 2 » . للسائل أن يسأل فيقول : قال اللّه تعالى : لما كانت القيامة وغيّر اللّه ما به قوام الدنيا لما يريد من إبطالها وتجديد أمر الآخرة ، حينئذ علمت نفس ما أحضرت ، وقال في السورة الأخرى :
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
فهل يصح مكان :
ما أَحْضَرَتْ
ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
فيجاب في سورة التكوير بما أجيب به في سورة الانفطار ، أم خصوص الفائدة توجب تخصيص اللفظة ؟ . الجواب أن يقال : إن الأول لما جاء بعد ذكر النار والجنة وهو قوله :
وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ
« 3 » ، أي : علمت عملا تستحق به الجنة أحضرت أم عملا تستحق به النار ؟ ، وكذلك إذا نولت الكتاب ورأت الثواب والعقاب ، وأما الثاني ، فإنه بعد قوله :
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ
« 4 » ، أي : قلب ترابها وجعل أسفلها أعلاها بإخراج موتاها ، فلما كان آخر شرط ، انقطع إلى ذكر الجزاء لفظا ذا نقيض ، وهو : البعثرة التي تجعل أسفل الشيء أعلاه ، كان أن يجعل الجزاء ما يتضمن لفظا ذا نقيض أولى من غيره ، وهو :
عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
، وقيل : معناه : ما أقامت من طاعة اللّه وما تركت ، وقيل : علمت نفس جميع ما عملته مدة عمرها في الدنيا ، وما فعلته في أول شبابها ، وما فعلته آخر أيامها ، وقيل : معناه : ما قدمت من عملها الذي انقطع بانقطاع حياتها ، وما أخرت من سنة سنتها ، فعمل بها بعده ، وإذا كان كذلك ، فقد قرن إلى كل شيء شرط جوابه الذي هو أشبه بما قاربه ، وأولى لما قارنه .

82 - سورة الانفطار

مرّ ما فيها في السورة التي قبلها .
هامش
( 1 ) سورة : التكوير ، الآية : 14 . ( 3 ) سورة : التكوير ، الآيات : 12 - 14 . ( 2 ) سورة : الانفطار ، الآية : 5 . ( 4 ) سورة : الانفطار ، الآية : 4 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 362 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي