فيقولون : ضرب زيدا عمرو ، فيقدمون المفعول على الفاعل ؛ لأن الاهتمام بأمره أتم ؛ لأن هذا ينفي منه ما فيه وهم متوهم ، أو قول قائل : ضرب محمد زيدا ، فيقع الخلاف في المفعول لا في الفاعل ، فيقول المنكر لذلك المثبت صحة ما عنده : ضرب عمرا زيد لا محمدا ، فإن ترك قوله : لا محمدا كان مكتفيا عنه بتقديم المفعول ، وكذلك ما ينكره من الفضلات كالظرفين والحال ، فقال المخاطب إذ توهم : ضرب زيد عمرا اليوم ، فقال المنكر : ضرب أمس زيد عمرا ، فقدم أمس على الفاعل والمفعول به ؛ لأنه هو الذي ينكره ويمنع أن يكون على ما توهمه ، والباقي من الكلام ليس فيه ما يستنكره ، فالعناية بتقديم ما يزيل الشك عنه أتم ، وهو بالتقديم أحق فذلك قوله تعالى :
وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ
مع قوله :
وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ
في الآي الثلاث .
الآية السادسة عشرة
قوله عز وجل :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 1 » وقال في سورة الأنعام « 2 » :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وقال في سورة النحل « 3 » :
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
.
للسائل أن يسأل فيقول : هل لاختلاف الألفاظ التي اتبعت قوله :
اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
معنى يخصص كل مكان باللفظ الذي اختص به ؟ .
الجواب أن يقال : قصد اللّه تعالى في المواضع الثلاثة أن يبين للمضطر ما له أن يتناول من المحرم الذي يمسك به رمقه « 4 » ، فذكر في الموضعين الآخرين
فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
و
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فكان تعريضا بمغفرته لمن اضطر إلى تناول المحرم في حالته ، فالموضع الأول بدأ فيه بصريح اللفظ بإسقاط الإثم ، فقال :
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
ثم عقبه بما اتصف به من المغفرة والرحمة ، وفي هذه الآي الثلاث سؤال آخر وهو أنه قال في الأولى :
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وفي الثانية
فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وفي الثالثة
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فهل لاختصاص الأول والأخير بذكر اللّه تعالى فائدة ،
هامش
( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 173 .
( 3 ) الآية : 115 .
( 2 ) الآية : 145 .
( 4 ) الرمق : بقية الروح .