تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ
« 1 » وبعد الثالث : خبر عنه بأنهم مكرهون التجبية ، كما يحكى عن هند بنت عتبة لما قال لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم الفتح : « يا هند كيف ترين الإسلام » ، قالت : بأبي وأمي ما أحسنه ، لولا ثلاث خصال ، فقال : « وما هن » ، قالت : التجبية ، والخمار ، ورقي هذا العبد الأسود فوق الكعبة ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « أما التجبية فإنه لا صلاة إلا بركوع ، وأما قولك الخمار ، فلا شيء أحسن ولا أستر من الخمار وأما قولك ورقي هذا العبد الأسود فوق الكعبة فنعم عبد اللّه هو » . يقال : جبى الرجل يجبي تجبية ، إذا ركع ، ومنه قوله :
كأن خصييه إذا ما جبا * دجاجتان يلقطان حبا
فكراهتهم للتجبية من أجل ما يحكى عن أحدهم أنه قال : أكره أن تعلوني استي ، ومعنى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ
« 2 » إذا دعوا إلى الصلاة لم يصلوها لا بحجة ولا بشبهة ، ولكن بباطل نحو ما حكيناه ، وقيل : لم يصلوا لجهلهم بما في الصلاة من المنافع لصاحبها ، وقيل : لم يصلوا لتكذيبهم بوجوبها ، وبعد الرابع قوله تعالى :
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
« 3 » ؛ أي : إذا كذبوا بالقرآن المتضمن لوجوب الصلاة ، وبذل غاية الخضوع بالسجود والركوع لمن له غايات الإحسان ، فلم يصدقوا أنه من عند اللّه مع ما قارنه من واضح البرهان ، فبأي كلام يسمحون بعده بالإيمان ، ومعنى قوله :
ارْكَعُوا
، أي : صلوا ، ومنه قوله تعالى :
وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ
« 4 » ، أي : مصلون ، وإذا كان قوله :
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ
ردف كلام يدل على ما يجب تصديقه وترك التكذيب به ، وكانت المعاني مختلفة ، سلم من التكرار وعلى الترتيب الذي بينا يتبين ما يختص بالتقديم مما يختص بالتأخير .
هامش
( 1 ) سورة : المرسلات ، الآية : 46 . ( 2 ) سورة : المرسلات ، الآية : 48 . ( 3 ) سورة : المرسلات ، الآية : 50 . ( 4 ) سورة : المائدة ، الآية : 55 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 356 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي