الأمر على ما بينا ، وضح الفرق بين الموضعين بالذي ذكرناه .
الآية الثانية منها
قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
« 1 » وقال في سورة يونس « 2 » :
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ
الآية .
للسائل أن يسأل فيقول : كيف أظهر
النَّاسِ
في موضع الإضمار في سورة المؤمن ، وقد أضمر في موضع الإظهار في سورة يونس ؟ وهل كان جائزا وقوع هذا موقع ذاك ؟ .
الجواب أن يقال : إن كل موضع يحتمل الإضمار لقرب الذكر ، ويحتمل الإظهار لتعظيم الأمر وذكر أخص الأسماء المقصود بالتقريع والتفنيد ، فإنه يحمل على ما يلائم الآيات المتقدمة له ليكون قد جمع إلى صحة المعنى واللفظ مشاكلة ما قبله من الآي . .
فأما قوله في سورة المؤمن :
وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
بعد قوله :
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ
ولو قال : ولكن أكثرهم لا يشكرون لقرب الذكر لكان من الجائز الحسن ، فإنه محمول على الآيات التي قبله ، وهي قوله :
لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
« 3 » وقال بعده :
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ
« 4 » ثم جاء :
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ
فأظهر ذكر الناس كما أظهر في الآيتين قبلها للمشاكلة والملائمة ، وليس كذلك الأمر في سورة يونس عليه السّلام ؛ لأن الكلام هناك بني على الإضمار في الآية المتقدمة ، ألا ترى أنه قال تعالى مخبرا عمن يدخل من الظالمين النار :
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
« 5 » فانقضى هذا الكلام واستؤنف خبر عن القوم الذين بعث اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم إليهم ، وقال :
وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
« 6 » فأضمر ذكره في قوله :
وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ
ثم قال بعده :
هامش
( 1 ) سورة : غافر ، الآية : 61 .
( 4 ) سورة : غافر ، الآية : 59 .
( 2 ) الآيتان : 60 ، 61 .
( 5 ) سورة : يونس ، الآية : 52 .
( 3 ) سورة : غافر ، الآية : 57 .
( 6 ) سورة : يونس ، الآية : 53 .