الآية الثالثة منها
قوله تعالى :
وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
« 1 » وقال بعده :
وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
« 2 » .
للسائل أن يسأل : عن تعدية الفعل الأول وهو :
وَأَبْصِرْهُمْ
وحذف ما تعدى إليه
وَأَبْصِرْ
في الثانية ، ثم عن تكرير
وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
.
الجواب أن يقال : إن هذا بعد ما بشر اللّه به عباده ، حيث قال :
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ
« 3 » ومعناه أن المرسلين ومن تبعهم من المؤمنين إذا حاربوا أعداء اللّه بأمر اللّه ، فإن اللّه قد حكم لهم بالظفر والنصر في عاقبة أمورهم ، وإن كان بعد مدة ، فقوله :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ
« 4 » ؛ أي :
أعرض عن محاربتهم إلى الحين الذي يعلم اللّه أنه يظفرك بهم ، وأبصرهم في الوقت الذي تنصر فيه عليهم
فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
قهركم لهم وذلهم ، فأما حذف « هم » من « أبصر » في الثانية ، فلذكرها في الأولى ، ولأن هناك معاني أخر تنضم إلى ذكرهم ، فيترك ذكر المفعول ليشرع الفعل إلى تلك المعاني كلها ، ويبين ذلك في الجواب عن فائدة تكرار العامل وهي أن قوله :
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ
إنما يراد به : الحين في الدنيا ، وهو : الوقت الذي ينصر فيه المسلمون عليهم ، ويقهرون بأيديهم ، وقوله ثانيا :
وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
؛ أي : بعد أن تنصر عليهم فيهلكوا في الدنيا ، توقع ما يحل بهم في الأخرى ،
وَأَبْصِرْهُمْ
هناك ، وأنواع العذاب التي تصب عليهم ، وعمل النار فيهم ، ثم ما لهم فيها من البقاء والخلود مع تبديل الجلود ، وسائر ما أعد اللّه من عذاب النار ، فقوله :
وَأَبْصِرْ
مودع كل ذلك
فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ
تهدد لهم ؛ أي : سوف يلقون ما أوعد اللّه به أهل معصيته من أليم عقوبته .
هامش
( 1 ) سورة : الصافات ، الآية : 175 .
( 2 ) سورة : الصافات ، الآية : 179 .
( 3 ) سورة : الصافات ، الآيات : 171 - 173 .
( 4 ) سورة : الصافات ، الآية : 174 .