تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
سورة المؤمنين إنما هو خطاب للرسل لقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ
« 1 » وقد جاء في خطاب الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم والمؤمنين والصالحين بعد : ثم اتقوا اللّه ، قال اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ
« 2 » وقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
« 3 » وقال :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ
« 4 » فلما كان أكثر من خوطب في السورة الأخيرة الأنبياء والمؤمنين وهم يعبدون اللّه جل ذكره وضم إليهم غيرهم من الفرق وغلبوا عليهم ، فخوطبوا بما يخاطب به المؤمنون ، وهو : اتقوا اللّه إذ كان أكثرهم له عابدين ، ومعنى اتقوه : احترزوا بطاعته مما أعده لأهل معصيته ، وامتنعوا بموجبات الثواب عن موجبات العقاب ، فكان هذا موضع
فَاتَّقُونِ
، وفي الأولى موضع
فَاعْبُدُونِ
. . وأما الفاء في سورة المؤمنين في قوله :
فَتَقَطَّعُوا
فلأنه ذكر الذين صار قوله
فَتَقَطَّعُوا
كالجواب لما قبله ؛ لأنهم قطعوا أمر دينهم كتبا منزلة من اللّه عز اسمه ، فمنهم من دان بالتوراة وكفر بما سواها من الإنجيل والقرآن ، ومنهم من دان بالإنجيل وكفر بالتوراة والقرآن ، فلما كان ما قبل الفاء خطابا للرسل وأممهم ، وقال : كونوا جماعة واحدة ذات دين واحد صار كأنه قال : أمرتهم بالائتلاف والاتفاق في الدين فتقطعوا أمرهم فيه قطعا ، وافترقوا فيه فرقا ، وكل يقدر أنه على الصواب ومتمسك بما في الكتاب فهو فرح بما لديه ، ومعوّل عليه ، فكان ما بعد الفاء هنا في تعلقه بالأول تعلق الجواب بالمبتدإ كما بعد الفاء في قوله في الآية الأولى ، وهو :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ
« 5 » في أنه متعلق بما قبله تعلق الجواب دون قوله :
وَتَقَطَّعُوا
واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) سورة : المؤمنون ، الآيتان : 51 ، 52 . ( 4 ) سورة : الحشر ، الآية : 18 . ( 2 ) سورة : الأحزاب ، الآية : 1 . ( 5 ) سورة : الأنبياء ، الآية : 94 . ( 3 ) سورة : التوبة ، الآية : 119 .