تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
ويكون المعنى أنهم أمتكم في حال كونهم جماعة واحدة وعلى دين واحد في أصول الشرع ، كالتوحيد وصفات اللّه تعالى ، وإثبات النبوات ، والمقام على طاعة اللّه ، فمتى تفرقوا في طرق الباطل لم يكن بينكم وبينهم نسبة . والثاني : أن يكون المعنى : وأن هذه أمتكم مقصودا بها دين واحد والأمة كل جماعة يسلك بها مقصد واحد من أم إذا قصد أي : أممكم وإن تفرقت أزمنتها فإنها يقصد بها دين واحد فهي أمتكم مقصود بها التوحيد ، وهو إفراد اللّه تعالى بالعبادة ، والإخلاص له فيها . والثالث : أن تكون الأمة : الملة وهي : الدين أي : هذه ملتكم ملة واحدة ؛ لأنها الإسلام وقوله :
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
أي : وربكم القائم بمصالحكم من ابتداء كونكم إلى انتهاء أحوالكم هو أنا فأخلصوا إلي العبادة وحدي . وقوله :
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ
جاء بالواو ؛ لأنه لم يكن ما بعد الواو كالجواب لما قبلها كما كان ذلك في الفاء ؛ لأنه يجوز أن يكون تقطعهم أمرهم قبل أن خوطبوا بقوله :
فَاعْبُدُونِ
فلا تصلح الفاء ، ألا ترى أن تفرقهم فرقا وتقطعهم أمرهم قطعا فصار بعضهم يعبد اللّه وحده ، وبعضهم يعبد معه غيره ، وبعضهم لا يعبده كان قبل إخبار اللّه جميع الأنبياء صلوات اللّه عليهم وسلامه أن هذه الأمم أممهم جماعة واحدة غير جماعة متفرقة ، وهو الذي دعا إلى أن نبههم فقال : خالقكم واحد والذي يربكم هو ، فاقصدوه بالعبادة دون من سواه ، وإذا كان كذلك كان قوله :
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ
أي : تقطعوا أمر دينهم قطعا ، وافترقوا فيه فرقا خبرا غير متعلق بما قبله تعلق الجواب بالابتداء بل ذلك هو ما بعد الفاء في عقيب هذه الآية
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ
« 1 » أي : تفرقوا فرقا فمن كان من فرقهم يعمل الصالحات وهو مؤمن فإن سعيه مقبول ، وهو على عمله مثاب ، ومن عمل صالحا ولا إيمان معه مثل معونة الضعيف ، وإغاثة اللهيف ، وصلة الرحم ، وإفاضة النعم والكف عن الظلم لم يقبل سعيه ، وهو في ضمن قوله :
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها
« 2 » . . . وأما قوله في الآية الأولى :
وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ
واختصاصها بها دون قوله :
فَاتَّقُونِ
فلأنه خطاب للفرق التي تفرقت في طرق الباطل ولم تخلص العبادة للّه فنبأهم إلى أن يعبدوه ، والتي في
هامش
( 1 ) سورة : الأنبياء ، الآية : 95 . . ( 2 ) سورة : الأنبياء ، الآية : 94 .