تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
مقامكم ويعصمكم مما يريد إنزاله بكم ، وهذا أول ما يطلبه من أشرف على هلكة لينقله إلى نجاة ، وأما قوله :
أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى
يعني : في البحر فيغرقكم بما كفرتم ، ثم لا تجدوا من يتبعنا إذا أهلكناكم بمطالبة بدمائكم ، أو بإنكار ما أنزلناه بكم ، فالذي يلجأ إليه إذا لم يغن الوكيل في دفع الضرر ووقوع الهلكة من يتبع ذلك بإنكار وانتصار وهذا أيضا مما لا تجدونه ، وأما قوله للنبي صلّى اللّه عليه وسلم :
إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ
أي : لأنزلنا بك عند قليل الركون إلى الكفار ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة ، ثم لا تجد لك عزا تمتنع به مما نريد إحلاله بك وهذا هو النصير وكذلك قوله :
وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
« 1 » : لأنسيناكه ولمحونا من القلوب والكتب ذكره ثم لا تجد من يتوكل لك برد شيء منه إليك ، لكني دبرتك بالرحمة لك فأوليتك من النعم والألطاف ما ثبت به على الإيمان ، وسلمت به من الركون إلى ما دعاك إليه أهل الشرك ، وكانوا قالوا له : لا نتركك تستلم الحجر حتى تلم بآلهتنا فقال في نفسه : ما علي أن أفعل ذلك واللّه يعلم ما في نفسي فأتمكن من استلام الحجر ، وقيل : إنهم قالوا له : اطرد عنك سقاط الناس ومواليهم والذين رائحتهم رائحة الضأن - لأنهم كانوا يلبسون الصوف - إن كنت قد أرسلت إلينا لتجلس معنا ونسمع منك ، فهمّ أن يفعل ما يستدعي به إسلامهم ، فنزل هذا الوعيد ؛ لأن اللّه أمره بغير ذلك في قوله :
وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
« 2 » وقال :
وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ
« 3 » ولذلك قال :
وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ
« 4 » وهذان البابان اللذان همّ بأحدهما من غير عزم منه عليه ، هما غير ما أوحى اللّه إليه ، فقد تبين أن خاتمة كل آية واقعة موقعها ، لا يصلح سواها مكانها واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) سورة : الإسراء ، الآية : 86 . ( 3 ) سورة : القصص ، الآية : 88 . ( 2 ) سورة : الأنعام ، الآية : 52 . ( 4 ) سورة : الإسراء ، الآية : 73 .
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 194 | محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي