حيث أعاد الذكر مذكرا يعود مؤنثا ، وحيث عاد مؤنثا يعود مذكرا ؟ .
المسألة الأولى يجاب عنها فيقال : لما كان المذكور في كل آية صنفا واحدا جعل ما دل منه على الصانع آية واحدة . . فإن قال : فإن في الأنعام وثمرات النخيل والأعناب قد جمعت وليس جميعها صنفا واحدا ، وكان على نظر قضيتك يجب في الاختيار أن يقال هنا : إن في ذلك لآيات . . . قيل له إن قوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ
إشارة إلى ثمرات النخيل والأعناب دون الأنعام ، وذلك صنف واحد فلذلك قال :
لَآيَةً
وأما الأنعام فقد أسند بذكر الآية فيها قوله في ابتداء آيتها
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً
فكأنه قال : لكم فيها آية إذ الاعتبار يؤدي إليها فخلصت « إن » في ذلك للصنف الواحد من ثمر الشجر .
وأما الثالثة : فمقصود بها النخل خاصة فلذلك قال :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
.
والمسألة الثانية : يجاب عنها فيقال : إنما ذكر يسمعون في الأولى توبيخا لمن أنكر البعث واستبعد الحياة الثانية ، فكأنه قيل له : إن ذلك قبل التدبر مقرر في أول العقل ، حتى إن من يسمعه يعترف به ، وهو أن الأرض الميتة يسقيها اللّه بماء السماء ، فتعود حية بنباتها ، فكذلك لا يستنكر أن يحيي الخليقة بعد موتها ، وأما اختصاص الثانية بقوله :
يَعْقِلُونَ
فلأنه قال : نسقيكم
مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ
وقد علمنا أن الفرث لا ينعصر منه ما يسوغ للشارب ، وأن الدم أحمر ، فيحول بقدرة اللّه لبنا أبيض طيبا بعد بعده مما استحال عنه في اللون والطيب ، ففيه عبرة لمن اعتبر ، ولما قرن إليه ثمرات النخيل والأعناب وما يتحول من عصيرهما إلى ما يستلذ ، ويجلب ما يسر سوى طيب رطبها ويابسها ، احتاج ذلك إلى تدبر يعقل به صنع صانع لا يقدر غيره عليه ، فلذلك قال في الثانية
يَعْقِلُونَ
. وأما اختصاص الثالثة بقوله :
يَتَفَكَّرُونَ
فلأن التفكر استعمال الفكر حالا بعد حال ، وفي النحل عجائب من صنع اللّه تتبع كل أعجوبة أعجوبة من طاعتها لرئيسها ، ثم أشكال ما تبني من بيوتها التي لو حاول الإنسان مثلها بأمثلة يحتذيها ، وتقديرات يقدمها لتعذر عليه ، ثم إنها تجني من أزاهير النبات والأشجار ما هداها إليه إلهام اللّه لها وأرشدها إليه ، ثم تقلس ما يجتمع في جوفها عسلا ، فهذه أشياء تقتضي فكرا بعد فكر ، ونظرا بعد نظر ، فلذلك عقبت بقوله :
يَتَفَكَّرُونَ
. .
والمسألة الثالثة : يجاب عنها بأن يقال : إن الأنعام في سورة النحل وإن أطلق لفظ جمعها فإن المراد به بعضها ، ألا ترى أن الدر لا يكون لجميعها ، وأن اللبن لبعض إناثها ، فكأنه قال : وإن لكم في بعض الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه ولهذا ذهب من ذهب إلى أنه رد إلى النعم ؛ لأنه يؤدي ما تؤديه الأنعام من المعنى ، والمراد واللّه أعلم ما