سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ
« 1 » فهذه الآية مفتتحة بمثل ما افتتحت به تلك ، إلا أن هذه الآية لواحد من الناس ، وتلك للجمع فصارت كالفرع على الأولى ، فكان حملها في هذه اللفظة عليها أولى والسلام .
الآية الخامسة من سورة النحل
قوله تعالى :
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
« 2 » وقال في سورة الملائكة « 3 » :
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
.
للسائل أن يسأل عن قوله في الأولى :
بِظُلْمِهِمْ
وقوله :
ما تَرَكَ عَلَيْها
وعن قوله في الثانية :
بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها
.
الجواب أن يقال : قد تقدم في العشر التي تليها
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ
الخبر عن الذين نهوا أن يتخذوا إلهين اثنين ، وأن يشركوا الأصنام في عبادته ، وأن يجعلوا لها نصيبا من مالهم ، ويدعوا الملائكة بنات ربهم ، وأن يئدوا بناتهم خوف إملاقهم ، وكل ذلك من أفعالهم ظلم منهم لأنفسهم مع ظلمهم لغيرهم ، فقال تعالى : ولو يؤاخذهم اللّه بما ظلموا به غيرهم وأنفسهم وأجرى حكمه على معاجلة المذنبين بعقوباتهم ، لأتى ذلك على نفس كل إنسان ، إذ لا أحد يعد آباءه إلا ويجد فيهم من عصى ربه ، فلو اخترم من عند خطيئته لا نقطع نسله ولا طريق إلى ولد لا يصح أصله ، فذكر في هذه الآية التابعة لما أخبر به عن الظالمين أنواع الظلم التي نسقها في العشر التي تقدمها ، ثم قال :
ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ
يريد على الأرض وذلك من الإيجاز الذي يقوم مقام الإكثار والإظهار ، تقول العرب : ما فوقها أصدق من فلان ، ولا تحتها أكذب من فلان ، يعنون : فوق الأرض وتحت السماء . وقوي إضمار هذا الاسم لشهرة الاستعمال فيه ، ولأن المذكور مشاهد لكل متكلم يقدر على الإشارة إليه يجري مجرى « أنا » « وأنت » في صحة العلم به والأمن من لبسه بغيره . فأما قوله في السورة الأخرى
وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا
والمراد : ما كسبوا من الآثام ، وإن كان « كسب » يستعمل في الخير والشر كقوله تعالى :
هامش
( 1 ) سورة : الزمر ، الآية : 8 .
( 2 ) سورة : النحل ، الآية : 61 .
( 3 ) الآية : 45 .