تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
موضع يقتضي الأول وقوع ما بعده بالفاء ، وكل موضع تقدم
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا
فإنه في المواضع التي لا تقتضي الدعاء إلى السير والبعث على الاعتبار فيكون ذاك مؤديا إليه ، وإنما يكون بالواو عطف جملة على جملة ، وإن كانت الثانية أجنبية من الأولى فقوله في سورة يوسف :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا
قبله
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
« 1 » معناه : كان الرسل من القرى التي بعثوا إليها ، فلما طغوا نزل بهم من العذاب ما بقي أثره في ديارهم من الخسف والانقلاب ، فصار معنى قوله :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
أي : لم يكونوا إلا رجالا أرسلوا إليهم فخالفوهم ، فاعتبروا أنتم بآثارهم ومشاهدة ديارهم لتجتنبوا ما يجلب عليكم مثل حالهم ، وكذلك قوله تعالى في سورة الحج « 2 » :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها
هو بعد قوله :
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ
« 3 » فكأنه قال : إذا كان كذا فسيروا في الأرض واعتبروا فأما قوله في الروم :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ
فإنه لم يتقدمه ما يصير هذا كالجواب عنه ، إذ لم يجر ذكر حال أمة من الأمم خالفت نبيها فعوقبت على فعلها ، بل الآية التي قبلها قوله :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ
« 4 » فكان الموضع موضع الواو ، وهذا مع أنه معطوف على قوله :
أَ وَلَمْ يَتَفَكَّرُوا
وهو بالواو فكان حمله على ذلك مع اقتضاء المعنى للواو ، وهو الواجب ، وقوله في سورة الملائكة « 5 » :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ
لم يتقدمه ما يكون هذا كالجواب عنه ، فلم يحسن إلا الواو ، ولأن الآية التي قبله ليست في وصف قوم عوقبوا على مخالفة نبيهم وبقيت آثار ما نزل بهم من العذاب في منازلهم وديارهم . وكذلك قوله في سورة المؤمن « 6 » :
وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ
فالآيات التي تقدمت هذا ليس فيها ما يقتضي أن يكون
هامش
( 1 ) سورة : يوسف ، الآية : 109 . ( 4 ) سورة : الروم ، الآية : 8 . ( 2 ) الآية : 46 . ( 5 ) الآية : 44 . ( 3 ) سورة : الحج ، الآية : 45 . ( 6 ) الآيتان : 20 - 21 .