تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
واحد . فلما جعل الأدنى وصفا للمنزل ذكر الدار الآخرة بعده ، فجعل الدار موصوفة والآخرة صفة لها ، وكل يؤدي معنى واحدا إلا أنه يختص ببعض اللفظ دون بعض لمشاكلة ما قبله وموافقته له . فأما قوله :
وَلَدارُ الْآخِرَةِ
في يوسف فإن قبله
أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً
« 1 » والساعة هي الساعة الآخرة وهي : القيامة ، فلما ذكرت الدار أضيفت إليها ، فكأنه قال : ولدار الساعة الآخرة خير ، فتقدم كل آية ما كان المذكور بعده أليق به . الجواب عن المسألة الثانية وهي قوله :
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ
في سورة الأعراف وقوله :
لِلَّذِينَ اتَّقَوْا
في سورة يوسف : هو أن القوم دعوا إلى الاعتبار بأحوال الأمم الذين أهلكوا في أزمنة أنبيائهم بالنظر إلى منازلهم وهي خاوية على عروشها ، ليعلموا أن دار الآخرة خير لمن اتقى منهم ، وقوله في سورة الأعراف ترهيب لليهود الذين في عصر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وارتشائهم على كتمان أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وترغيب لهم فيما عند اللّه إذا صدقوا عما في كتاب اللّه عز وجلّ ، والترغيب والترهيب لا يتعلقان إلا بالآنف المستقبل ، فلذلك قال للذين يتقون :
أَ فَلا تَعْقِلُونَ
وفي هاتين الآيتين مسألة ثالثة وهي إدخال اللام على « دار الآخرة » في سورة يوسف ، وإخلاؤها منها في سورة الأعراف في قوله :
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ
. الجواب عن ذلك أن قوله :
وَلَدارُ الْآخِرَةِ
جاء بعد قوله :
فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
ومعناه : فيعلموا كيف حال من قبلهم ، وأن الدار الآخرة خير لهم . فاللام هي التي تدخل على المبتدأ فتعلق الفعل ، والفعل هو : فيعلموا لدار الآخرة خير . كما تقول : علمت لزيد أفضل من عمرو ، وأما قوله :
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ
في سورة الأعراف ، فلم يتقدمه ما يقتضي اللام بل قوله :
أَ لَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ
« 2 » من غير أن يتقدمه ما يجري مجرى التوكيد ، والقسم الذي يتلقى باللام . انقضت سورة يوسف عليه السّلام ، عن أربع آيات وخمس مسائل .
هامش
( 1 ) سورة : يوسف ، الآية : 107 . ( 2 ) سورة : الأعراف ، الآية : 169 .