تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
إضلال غيرهم ، وقالت أولاهم لأخراهم : فما كان لكم علينا من فضل ، أي : أنتم مثلنا في الضلال لم يكن لكم علينا فضل في تركه أو التقلل منه :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
أي : يقول اللّه تعالى ذلك : فذوقوا العذاب بقدر ما كنتم تكسبون ، فهذا موضع يقتضي ذكر الاكتساب وما يجب على قدره من العقاب . . وأما قوله في هذه السورة في ذكر الكفار الذين قال اللّه تعالى فيهم :
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
« 1 » أي : صفيرا وتصفيقا لم تكن صلاتهم تسبيحا وتمجيدا وخضوعا للّه تعالى كما يفعل المؤمنون فيقال لهم في الآخرة : ذوقوا العذاب بكفركم ، ولم تتقدم هذه الآية ما يوجب قدرا من العذاب دون قدر حتى يقال : ذوقوا من العذاب بقدر كسبكم له كما كان في الآية الأولى وإنما ذكر كفرهم من حيث قال :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
« 2 » وذلك كله في كفار قريش ، فلذلك جاء فيه :
فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
دون
بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ
.

الآية الثانية من هذه السورة

قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ
« 3 » وقال في سورة براءة « 4 » :
الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ
. للسائل أن يسأل فيقول : ما الذي قدم له في الآية الأولى ذكر « أموالهم وأنفسهم » على قوله :
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ثم ماله قدم ذكر
فِي سَبِيلِ اللَّهِ
في سورة براءة على ذكر « أموالهم وأنفسهم » ؟ الجواب أن يقال : إن الآية الأولى في سورة الأنفال عقيب ما أنكره اللّه تعالى على من قال لهم :
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
« 5 » وهم أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم لما أسروا المشركين ولم يقتلوهم طمعا في الفداء فقال اللّه تعالى :
لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
« 6 » أي : فيما أخذتم من
هامش
( 1 ) سورة : الأنفال ، الآية : 35 . ( 4 ) الآية : 20 . ( 2 ) سورة : الأنفال ، الآيتان : 33 و 34 . ( 5 ) سورة : الأنفال ، الآية : 67 . ( 3 ) سورة : الأنفال ، الآية : 72 . ( 6 ) سورة : الأنفال ، الآية : 68 .