تخطي إلى المحتوى الرئيسي

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
بالفاء ، وإنما سأل تأخير أجله فقال : إنك في حكمي ممن أخر أجله لا لأجل مسألتك . . وأما في الآيتين في سورتي الحجر وص فإنه قال عز من قائل :
قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي
وجاء بعد إخبار اللّه بلعنه له وكأنه قال : يا رب إذ لعنتني وآيستني من الخير فأخرّ أجلي
إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
وهو يوم القيامة ، وليس يوم الإماتة إنما هو يوم البعث والإحياء فلم تقع الإجابة إلى ما طلب ، لأنه قال عز من قائل :
فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ
أي : إلى الوقت الذي هو آخر أوقات الإحياء ، فاقتضى إضمار : « إذ لعنتني يا رب » أن يأتي بالفاء ، فيقول :
فَأَنْظِرْنِي
ويأتي في جوابه بها وهو :
فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ
لأن التقدير : إن طلبت تقدير الأجل وتنفيس المهل من أجل أن لعنت فإنك مؤخر الموت بما حكمت به لك لا لإجابتك إلى مسألتك ، فهو معطوف على السؤال عطف الكلام على الكلام الذي يقتضيه لا عطف الإيجاب على السؤال ؛ لأن اللّه تعالى لن يجيب عاصيا مثله إلى ما يسأله ، فدخول الفاء في الموضعين لتقدم ذكر اللعن وإن المعنى : إن آيستني من رحمتك فأخر أجلي لأنال من عدوي الذي كان سبب ذلك ما أقدر عليه من الإغواء له ولمن يكون من نسله ، وأستشفي بذلك لجهله ، نعوذ باللّه من طاعة الهوى المؤدي إلى سبيل الردى .

الآية الثالثة منها

قوله تعالى :
قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ
« 1 » وقال في سورة الحجر « 2 » :
قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
. للسائل أن يسأل في هذه الآية عن شيئين ، أحدهما : اختلاف المحكيات ، ففي موضع
فَبِما أَغْوَيْتَنِي
وفي آخر
فَبِعِزَّتِكَ
« 3 » . والثاني : حذف الفاء في سورة الحجر من قوله :
رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
وإثباتها في الآيتين الآخرتين . الجواب : عن اختلاف الألفاظ المحكية أن يقال : متى حملت الباء على القسم في قوله :
بِما أَغْوَيْتَنِي
في الآيتين بشهادة الآية الثالثة ، وهي :
فَبِعِزَّتِكَ
لم يكن هناك
هامش
( 1 ) سورة : الأعراف ، الآيتان : 16 ، 17 . ( 2 ) الآيتان : 39 ، 40 . ( 3 ) سورة : ص ، الآية : 82 .