تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
لقد نبذ التعبير القرآني جانبا قيود القافية الشعرية الموحّدة ، والوزن الواحد الذي يبعث أحيانا على الرّتابة ، خصوصا إذا نظرنا إلى تلوّن إيقاع القرآن مع تلوّن المواضيع ، وإضافة إلى هذا لا تكون الفاصلة قلقة ، بل توافق بنيتها المعنى المقصود تماما إذا كان المعنى يتمتّع بأكثر من صيغة مثل « قادر ومقتدر » و « غافر وغفّار » وعال وأعلى ، وقد اعتمد إيقاع التكرار ، وأحيانا نجد لازمة موسيقية مثل
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
« 1 » وتبدو عنصر تنبيه وإمتاع معا ، فقد تكررت هذه اللازمة في سورة الرحمن إحدى وثلاثين مرة فالقرآن نظام صوتي حرّ وجديد . تصور بعضهم قربه من الشعر ، كما رأى المشركون ، وقرّبه بعض المحدثين من النّثر ، والحق أن الشبه الظاهري الذي يذكره الأقدمون بين القرآن والشعر غير تام ، فرتابة الوزن استعيض عنها بإيقاع يبعث على الراحة في مكان ، وعلى الانفعال القوي في مكان آخر ، وقد تجسدت المشاعر في طول الآيات وقصرها ، وهذا الشبه الظاهريّ الناقص ليس وحيدا في تهمة الشعر ، بل السبب الأقوى هو العناد ، إنما استغلّوا هذه الطريقة في القرآن لدعواهم الباطلة .

- معارضة الشعراء للقرآن :

ومن مظاهر حرية الفاصلة أنها حرة موسيقيا مقيدة بالمعنى ، وقد تجاوزت أسسا كثيرة من أسس فنّ القافية ، كوحدة حركة الحرف الذي يسبق الرّدف ، أي الحذو ، واختلاف سناد التوجيه أي حركة الحرف الذي يكون قبل الرّويّ المقيد ، مثل « اصبر ، ونظر » ، والأمثلة كثيرة على حرية الفاصلة وجمالها معا ، وكذلك اختلاف الرّويّ . ولقد تحدث القدامى من الدارسين كالباقلّاني « 2 » وغيره عن مواضع تشابه القرآن والشعر ، ومواضع اختلافهما ، ودفعوا عن القرآن تهمة الشعر والسجع ، وشغلهم هذا الردّ عن معرفة ما وجد بديلا عن هاتيك القوقعة والجمود والرّتابة .
هامش
( 1 ) سورة الرحمن ، الآية : 13 . ( 2 ) انظر الباقلاني ، إعجاز القرآن ، ص / 51 .