تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
صوت « الأصحم » التي ينفر منها الذوق ، لثقلها وشدّة جهرها ، فإذا قارناها بقوله تعالى :
وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ
« 1 » لمسنا التفاوت ، فالهمس يتجسّد في تكرير السين ، وهو يناسب الليل ، وليس هذا في تسكين الصاد المطبق ، وتسكين الميم الشفوي ، فكأن « عسعس » ترسم الأجواء الليلية الهادئة ، ويمكن أن نقارن بقوله عز وجل
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى
« 2 » ، ولهذا ندرك عدم مراعاته للسلاسة التي هي جزئيات الكلمات الحاملة للمعاني المقصودة . لقد أولع هذا الرجل بالقوالب الظاهرة في قصار السور المكية ، فلجأ إلى أمثال الأدلم والأزلم والجماهر ، فأخفق في هذا الجزء من الكتاب الأعظم ، ناهيك عن سائر السور القرآنية ، وقد حسب أن داء الإغراب هذا يغطّي تفاهة مضمون كلامه ، فوقع في هذيان كان القتل شفاء له من هذا الداء . وفي إمكان المرء أن يقدم دراسة مستفيضة لأقواله ، فيشذّبها من خلال علم فقه اللغة على الأقلّ ، وذلك بنزاهة علمية ، ليبين خطله . وكان يجدر بالرافعي الذي أفاض في دراسة النظم الموسيقى للقرآن أن يطبق نظريته على كلام مسيلمة ، كما طبق الخطابي إحساسه بالفروق اللغوية على استعمال مسيلمة المشين ، على الرغم من إيماننا بتفاهة مضمون كلامه ، فما هو إلا تخرّصات ، ولا بد لنا أن نكذبه في تقليده الشكلي ، لنؤكد أن الصورة الفنية للقرآن لا تصلها بلاغة بشر ، لأن المضمون القرآني بمنأى عن هذيانه ، أي بمنأى عن موضوعاته التافهة مما جرى على لسانه ، والنّعرة الجاهلية لم تكن عمياء عن سخف ما قال ، وقد كان في إمكان الرافعي أن يقدم دراسة صوتية ، وليس يكفي أن يقول : « كل كلامه واه سخيف لا ينهض ولا يتماسك ، بل هو مضطرب النّسج مبتذل المعنى مستهلك من جهتيه » « 3 » . فليس يتوضح معنى الاضطراب والتماسك والاستهلاك ، وهو الأديب الذي ينثر صفحات في تأمل آية واحدة ، فالإجمال لا يقتصر على القدامى .
هامش
( 1 ) سورة التكوير ، الآية : 7 . ( 2 ) سورة الليل ، الآيتان : 1 - 2 . ( 3 ) الرافعي ، مصطفى صادق ، إعجاز القرآن ، ص / 175 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 88 | احمد ياسوف