تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
وتدلنا كتب الإعجاز على تعلّق الدارسين بالشعر ، ونحن نأسف لأن نجد ما يشبه هذا التعلق إذا قرأنا ما جاء في كتاب نعيم الحمصي ، فهو يرى أن بيان القرآن أعجز العرب الأوائل معاصري الرسول عليه الصلاة والسلام ، لأنهم شعراء فقط ، والقرآن أقرب إلى النثر منه إلى الشعر ، فهو يقول : « لتخلّف العرب في فني النثر والخطابة كانت دهشتهم من بيان القرآن وأسلوبه عظيمة جدا ، دونها دهشة وتقدير الأدباء العباسيين الفحول الذين تجرّأ بعضهم ، أو اتّهم بأنه تجرّأ على معارضة القرآن » « 1 » ، وكلنا يعلم أن الذين اتّهموا بمعارضة القرآن شعراء على الأغلب . وهذا الرأي مردود ، لأن الخطابة لم تتخلف عن الشعر ، فقد كانت في مستواه جودة وتحبيرا ، ونبغ خطباء مفوّهون في الجاهلية شهد لهم بالبراعة ، واستجلاء الفكر ، إلا أن الشعر كان من جهة الكم أكبر واستعماله أكثر ، وهو أسهل حفظا نتيجة موسيقاه ، فتداولوه في الحرب والسلم ، ثم إن العرب قارنوه بالشعر ، وليس بالنثر ، وقد ارتأت لهم القرابة من جرّاء فواصله ، ثم تراجعوا عن كونه شعرا ، وما كلامهم في شؤونهم وأمورهم المعيشية إلا خطب فصيحة تفوق ما جاء به العباسيون . ثم إذا كانت دهشة العباسيين أقلّ من الجاهليين - كما يرى الباحث - فهذا يعني مع الطرد العكسي تقدم الزمان وتأخر البيان القرآني ، وكأنما يعني الباحث في كلامه اطراد قلّة الدّهشة في ظروف تقدّم الأدب ، والعكس هو الصحيح ، فكلما نضج الأدب ازداد بيان الإعجاز ، وهذا ما تثبته الدراسات الحديثة . ومن المحذور في هذا المقام ما ذكره « عز الدين إسماعيل الذي خيّل إليه أن بعض الشعراء قد عارض القرآن في صورته الأولى ، فتوصل إلى مرتبتها الفنية ، فهو يقول : « هكذا يقف الشعراء من ذلك الأثر الأدبي - القرآن - يقيسون به أنفسهم أحيانا ، ويأخذهم الزهو ، فيفضّلون إنتاجهم عليه في بعض الأحيان ، ولكنهم في كل الحالات لم يكونوا يتأثرونه ، أو ينحون عليه إلا في ناحيته
هامش
( 1 ) الحمصي ، د . نعيم ، 1955 ، تاريخ فكرة الإعجاز ، ط / 1 ، المجمع العلمي العربي ، دمشق ، ص / 11 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 90 | احمد ياسوف