تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
في هذا المجال بمراعاة دقائق فنية موسيقية ، وهي ما يدعى بالموسيقى الداخلية ، ومن الجهل أن يعدّ التجويد زركشة ، ذلك لأن الذوق والقانون الصوتي متلازمان . وفي القرآن نجد حضّا على جمال الأداء في قوله عزّ وجلّ :
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ، وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا
« 1 » ، ويؤكّد لنا فعل الترتيل بالمفعول المطلق ، وهو ما يفوق الإنشاد والقراءة العادية ، ويسمو على مطّ الغناء واضطرابه ، وقد ذكرت هذه الآية في سورة تحمل اسما من أسماء القرآن ، إنها سورة الفرقان ، أما المكان الثاني الذي يذكر فيه الترتيل ، فهو سورة المزمل ، أوائل نزول الوحي المبارك ، وفي هذا حجّة على إعجاز نسقه ، والسورتان من العهد المكي ، حيث تعنّت الكفار وعنادهم ، يقول تعالى في سورة المزمل :
قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
« 2 » . وكذلك يؤكّد الفعل بالمفعول المطلق ، وهنا يختصّ الترتيل بزمن الليل زيادة في جماله في هدأة الليل ، حيث صفاء النفس ، وذلك لأن المولى عزّ وجلّ عليم بأن السمع نافذة على النفس ، وحافز على الانفعال والتفاعل مع متطلبات دينية حيوية وأخروية . وقد سبق علم التجويد تشجيع الرسول عليه الصلاة والسلام على الأداء الحسن الذي يركّز على الإحساس بالتشكيل الموسيقى في إيقاع القرآن ، ذلك الأداء الذي يراعي دقائق داخلية يمتاز بها النّسق القرآني من مدود وصفير وجهر وقلقلة « 3 » ، مما يعرف عن صفات الحروف ، إضافة إلى تجميل الصوت عند أداء القرآن . وقد روي أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « قرأ عام الفتح في مسير له سورة الفتح على
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، الآية : 32 . ( 2 ) سورة المزمل ، الآيات : 2 - 4 . ( 3 ) الصّفير : صوت زائد يخرج عند النطق بالصاد أو الزاي أو السين . والجهر : انحباس النّفس في المخرج عند النطق ببعض الحروف كالجيم والطاء والظاء والقلقلة : تحريك المخرج والصوت بعد انضغاطهما وانحباسهما ثم يخرج الصوت قويا من المخرج محدثا نبرة وهزّة ، وحروفها جمعت في « قطب جد » .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 78 | احمد ياسوف