تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ
« 1 » . وقديما ألمح الباقلاني إلى هذا الفعل في قوله تعالى :
وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ
« 2 » فقد قال : « هل تقع في الحسن موقع قوله « ليأخذوه » كلمة ، وهل تقوم مقامه في الجزالة لفظة ، وهل يسدّ مسدّه ، في الأصالة نكتة لو وضع موضع ذلك « ليقتلوه » أو « ليرجموه » أو « لينفوه » أو « ليطردوه » أو « ليهلكوه » أو « ليذلّوه » ، ونحو هذا ما كان بديعا ولا بارعا ولا عجيبا ولا بالغا » « 3 » . وكان الباقلاني فهم أن هذا الفعل يدل على غاية العنف دون سائر أفعال الاجرام ، ويدلّ على قوة الباطش وسهولة البطش ، فالرسول لقمة سائغة ، وكأنما تصوّر المفردة ضآلة حجمه ، وضخامة حجومهم . ومن هذا قوله تبارك وتعالى :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
« 4 » ، ويقول البوطي : « وأي تصوير لضئلة شأنهم ونسيانهم أنفسهم أبلغ وأروع من هذه الكلمة » « 5 » . فهنا يسند الفعل إلى الخالق الذي تنصاع له كل الكائنات ، فيزداد عنفا وغموضا ، ولا يستطيع الذهن أن يحيط بكل مساحة هذا الفعل ، لأنه من عند الخالق ففيه الهول الأعظم ، على الرغم من أن فعل « أخذ يأخذ » محدود الدلالة في استعمالنا . وهنا يحضرنا قول « بختين » إن احتواء الكلمة لموضوعها فعل معقّد ، ذلك أن أي موضوع مفترى عليه ، ومختلف فيه ، مضاء من جهة ومعتم عليه من جهة أخرى بالآراء الاجتماعية المختلفة وبكلمات الآخرين » « 6 » . وفي القرآن نجد أن الفعل « يذر » مع تصريفاته يرد إحدى وثلاثين مرة ، وثلاث مرات منها تختصّ فيها بالخالق عزّ وجلّ ، مع أن الدّلالة واحدة في
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 165 . ( 2 ) سورة غافر ، الآية : 5 . ( 3 ) الباقلاني ، أبو بكر ، إعجاز القرآن ، ص / 197 . ( 4 ) سورة الأنعام ، الآية : 44 . ( 5 ) البوطي ، محمد سعيد رمضان ، من روائع القرآن ، ص / 171 . ( 6 ) بختين ، ميخائيل ، الكلمة في الرواية ، تر : يوسف حلاق ، ص / 30 .