تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
ولتجسيم مشهد العذاب ، بهوله وتأجّجه وضرامه ، جزاء على الفعلة الشنيعة قتل الأنبياء ، وعلى القولة الشنيعة :
إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ
« 1 » . وهو لا يذكر مثلا مساحة دلالة « الحريق » في اللغة مقارنة بالنار ، وتحليله ليس ببعيد عما يسميه القدامى مراعاة النظير ، فتربط الكلمة بسياق الآية كلها ، وهذا ما وجدناه عند الخطيب الإسكافي وابن أبي الإصبع . ولا يكاد يبتعد بدوي قيد شعرة عن منهج سيّد قطب ، فهو كذلك يترك المعيار للنفس والتصور ، ففي الآية الكريمة :
وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ
« 2 » . يقول عن فعل « خلوا » : « ترى ما توحي به إلى نفسك من جبن هؤلاء المنافقين الذين لا يستطيعون أن يظهروا ما تكنّه قلوبهم إلا في خلوة لا يراهم فيها أحد » « 3 » . وتعد دراسة عائشة عبد الرحمن جيدة ، لأنها تنظر إلى قرائن السياق العام ففي الآية الكريمة :
يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً
« 4 » تبين البعد النفسي لفعل « أهلكت » قائلة : « ولم يقل أنفقت مع قربها ، وذلك لأن الإهلاك أولى بالغرور والطّغيان ، وأنسب لجوّ المباهاة والفخر المسيطر على المقام » « 5 » . وهذا واضح في سورة البلد ، ولا شكّ في وجود مفردات مختصة بدفع المال مثل أنفق وبذل وصرف ، ولكن « أهلكت » فعل يعدّ استعماله مجازيا ، وهو ليس من مرادفات أنفق ، كما ترى الباحثة . ولا بأس أن نقف عند كلمة « أخذ » الواردة في مقام التهديد ، لتتضح الدلالة الخاصة لبعض مفردات القرآن ، إنه فعل عادي إلا أن دلالته تتّسع في القرآن ، ويتغيّر حجم مفعولها ، ومن هذا قوله تعالى :
وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 181 ، وقطب ، سيد ، في ظلال القرآن ، مج / 1 : 4 / 537 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 14 . ( 3 ) بدوي ، د . أحمد ، من بلاغة القرآن ، ص / 31 . ( 4 ) سورة البلد ، الآية : 6 ، لبد : كثير بعضه فوق بعض . ( 5 ) عبد الرحمن ، د . عائشة ، التفسير البياني : 1 / 187 .