تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
ونحن لا ننكر جهوده في مواضع أخرى ، كما تبين في الصفحات السابقة في هذه الفقرة ، وما سيتبين في مسألة تمكّن الفاصلة القرآنية في الفقرة التالية ، ولعلّ جمال « خائنة » يكمن في صيغتها على اسم الفاعل ، وهي تدلّ على الحركة أكثر من الاسم ، وتفيد الكثرة في استمرارها . وقد قال البيومي عن شواهد ابن أبي الإصبع هذه : « فهذا الكلام - الفرائد - لو ترجم إلى لغة عصرنا لترجم عما يسمّيه النقاد باللفظ الموحي ، وما يبعثه في الجملة من الظلال والأضواء ، ووقوع ابن أبي الإصبع على هذه الألفاظ والجمل في كتاب اللّه يدل على ذوق بصير ، ونحن نأخذ عليه أنه أحسن الاختيار ، ولم يأت بما يجمل من التحليل » « 1 » . ونكتفي بهؤلاء الأعلام ، لأن كل كلمة قرآنية يمكن أن تقع تحت عنوان « مناسبة المقام » ، وأيضا لحذر الإطالة غير المجدية ، فالتّكرار كان في الشواهد نفسها ، وفي التّعليق الفني ، فمثلا لا يبتعد أبو السّعود كثيرا عن تذوق الزمخشري ، فهو يقلّده أحيانا بالنقل الحرفي أو بأسلوب التذوق ، كما أعاد ابن قيّم الجوزية ما ورد عند الرماني حول كلمة « ظمئان » وغيرها « 2 » . ولا بأس أن نجري هنا موازنة في شاهد واحد بين الزمخشري وسيّد قطب ، لنعلم اختلاف النظرات ، يقول تعالى :
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
« 3 » يقول الزمخشري حول كلمة « يتربّصن » : « إخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بما يجب أن يتلقّى بالمسارعة إلى امتثاله ، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربّص ، وذلك لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال ، فأمرهنّ أن يقمعن أنفسهنّ ، ويغلبنها على الطّموح ، ويجبرنها على التّربّص » « 4 » . فهو ينطلق من معيار جمال اللغة ، ليقدمه تبريرا .
هامش
( 1 ) البيومي ، د . محمد رجب ، خطوات في التفسير ، ص / 295 . ( 2 ) انظر ابن قيم الجوزية ، الفوائد ، ص / 145 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 228 ، القرء : الحيض أو الطّهر . ( 4 ) الزمخشري ، محمود بن عمر ، الكشاف : 1 / 365 ، وانظر تفسير النسفي : 1 / 113 . وتفسير أبي السعود : 1 / 225 .