تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
المعجم ، وهذا يؤكد السّياق الخاص لآيات القرآن الذي ينفي الترادف ، إذ تصل بنا الآيات إلى دلائل متعددة لمادة واحدة ، فنحن نقرأ قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً
« 1 » فالفعل « يذرون » يعني المغادرة والتّرك ، إذ تقرّر الآية المدنيّة مسألة فقهية . أما قوله تعالى :
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ
« 2 » فإنّ الكلام يعجز عن التعبير عن هول هذه المفردة وهالاتها الخاصة ، نتيجة صدورها عن الخالق ، وكذلك قوله تعالى :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا
« 3 » وقوله :
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
« 4 » والآيات الثلاث هذه من السّور المكية ، والأخيرتان منها من أوائل نزول الوحي المبارك . ففي هذه الكلمة إثارة للتخيل تبعدها عن المعنى المعهود ، وذلك لأنها تثير في الذّهن كيف تنفرد القوة المطلقة بما خلقت ، وتبعث في النفس الرّهبة والإجلال ، وخصوصا إذا أعربنا « وحيدا » حالا لضمير الياء . ومن يطالع أبحاث محمد سعيد رمضان يقع على مادة وفيرة تدلّ على إحساسه الفني بدلالات المفردات ، وذلك لا يقتصر على كتابه « من روائع القرآن » الذي تحدّث فيه عن البيان القرآني ، فنحن الآن مع كتيّب في الدّعوة الإسلامية بعنوان « منهج تربوي فريد في القرآن » وقد تأمل الآية الكريمة :
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما
« 5 » ، فمما يدل على أصالة فنية وتفرّد ذوقي قوله : « لو حذفت هذه الكلمة - عندك - من الآية ، لاختفى منها أعظم عوامل التأثير فيها : إنها كلمة واحدة ، ولكنها تفيض بشحنة هائلة من العواطف المثيرة ، إذ هي تصوّر للمخاطب حالة والديه ، وقد انتهينا من الضّعف والشيخوخة إلى أن غدا كلّ منهما يعيش في كنفه ، وفي ظلال عطفه ورعايته بعد أن كان هو الذي يعيش في كنفهما ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 234 . ( 2 ) سورة القلم ، الآية : 44 . ( 3 ) سورة المزمّل ، الآية : 11 . ( 4 ) سورة المدّثّر ، الآية : 11 . ( 5 ) سورة الإسراء ، الآية : 23 .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 306 | احمد ياسوف