وفي المفردة نفسها يقول سيّد قطب : « إنه يلقي ظلال الرّغبة الدّافعة إلى استئناف حياة زوجية جديدة ، رغبة الأنفس التي يدعوهنّ إلى التربّص بها ، والإمساك بزمامها ، مع التّحفّز والتّوقّر الذي يصاحب صورة التربص ، وهي حالة طبيعية تدفع إليها المرأة في أن تثبت لنفسها ولغيرها ، أنّ إخفاقها في حياة الزوجية لم يكن لعجز فيها أو نقص ، وأنها قادرة على أن تجذب رجلا آخر » « 1 » .
ولكن الشعور بالإخفاق لا يكون في حالة موت الزوج ، فقد قال تعالى عن الأرامل :
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً
« 2 » ، وكان على سيد قطب أن ينتبه إلى هذا ، فهذا وليد الإشعاع الذاتي لدى الدارس .
وقد وفّق في مواضع أخرى ، كما ورد لدى الآية :
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
« 3 » فهو يحدثنا عن تحقيق انسجام الأضواء في الصورة بكلمة « الفلق » ، يقول : الجوّ كله ظلام ورهبة وخفاء وغموض ، وهو يستعيذ من هذا الظلام باللّه ، واللّه ربّ كل شيء ، فلم يخصّصه هنا « بربّ الفلق » ؟ لينسجم مع جوّ الصورة كلّها ، ويشترك فيه ، ولقد كان من المتبادر أن يعوذ من الظلام بربّ النور ، ولكن الذهن هنا ليس المحكّم ، إنما المحكّم هو حاسّة التصوير الدقيقة ، فالنور يكشف الغموض المرهوب . . والفلق يؤدي معنى النور من الوجهة الذهنية ، ثم يتّسق مع الجوّ العام من الوجهة التصويرية » « 4 » .
ويمكننا أن نقول : إن المحكّم في كل نظرات سيد قطب هو التصوير الذي يشمل الصورة البصرية والإيحاء النفسي ، والصورة السمعية أيضا ، ومثل هذا الإيحاء ما ذكره عن ميل القرآن إلى تصوير قبح أعمال الكفار بمفردات توائم شنائعهم ، يقول تعالى :
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
« 5 » عن اليهود ، يقول سيّد قطب : « والنص على « الحريق » هنا مقصود لتبشيع ذلك العذاب وتفظيعه ،
هامش
( 1 ) قطب ، سيّد ، في ظلال القرآن ، مج / 1 : 2 / 245 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 234 .
( 3 ) سورة الفلق ، الآية : 1 .
( 4 ) قطب ، سيد ، التصوير الفني ، ص / 98 .
( 5 ) سورة آل عمران ، الآية : 181 .