وكثيرا ما يشير المعاصرون إلى صفة العذوبة ، وإلى ذيّاك اللحن العذب ، وإمتاعه للآذان ، من غير أن يقدّموا شواهد وافية أو غير وافية تثبت صحّة رأيهم .
نجد من خلال استطلاع جهودهم الفنية أن سيّد قطب أكثر من اهتمّ بالمدود والحركات إلى جانب الرافعي ، وإن مال في كثير من المواضع إلى الغموض والذاتية المبهمة ، فنقع على تحليل شخصي يناسب نفسية الباحث فقط .
بيد أننا لا نخفي أنّه ما انفكّ يربط بين الصورة السمعية والحالة النفسية المطلوبة في الآية ، وهنا مراعاة فنية ، إلا أنّها خفيّة على كلّ نظرة سطحيّة عابرة .
ومن ذلك ما جاء في قوله عزّ وجلّ :
وَقالُوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ
« 1 » ، ومن الدّقة الباهرة أن يعلّق على جمال
الْحَزَنَ
بالفتحة ، وهنا يستثنى من قاعدة الطّراز الذي رأى أن سكون الوسط أعدل من تحريكه ، يقول سيّد : « الجو كلّه يسر وراحة ونعيم ، والألفاظ مختارة ، لتتسق بجرسها وإيقاعها مع هذا الجوّ الحاني الرّحيم ، حتى « الحزن » لا يتّكأ عليه بالسكون الجازم ، بل يقال « الحزن » بالتّسهيل والتخفيف « 2 » .
وكثيرا ما نستشف رهافة حسّه ، وإدراكه لدقائق فنية في بنية الكلمات ، كالمدود والحركات والانسجام بين الشّدة والرخاوة ، وذلك من خلال مصطلحين يظلّ يردّدهما في كتبه ، وهما الإيقاع والجرس ، ولا نجد عنده لغة علمية واضحة كما وجدنا عند الرافعي .
وثمّة مفردات وردت في بعض السّور المكية ، وكانت بتركيبها جديدة على الصّياغة العربية المعهودة ، وهذه المفردات هي الصاخّة على وزن اسم الفاعل من صخّ يصخّ ، أي يؤثّر في الأذن بصوته الشديد ، وكذلك اشتقّت الحاقّة من الحق ، والقارعة من القرع ، والواقعة من وقع يقع ، والطامّة من فعل طمّ يطمّ .
هامش
( 1 ) سورة فاطر ، الآية : 34 .
( 2 ) قطب ، سيّد ، في ظلال القرآن ، مج / 5 ، ص 1 / 294 وانظر قطب ، سيد ، 1956 ، مشاهد القيامة ، ط / 2 ، دار المعارف بمصر ، ص / 101 .