تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
بطبيعة الأصوات ، فقد جاء في كتابه : « ولم تجيء فيه مفردة - الألباب - بل جاء في مكانها القلب ، وذلك لأن لفظ الباء شديد مجتمع ، ولا يفضي إلى هذه الشدة إلا من اللام الشديدة المسترخية ، فلما لم يكن ثمّ فصل بين الحرفين يتهيّأ معه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشّدة تحسن اللفظة ، مهما كانت حركة الإعراب فيها نصبا أو رفعا أو جرّا ، فأسقطها من نظمه بتّة ، على سعة ما بين أوّله وآخره ، ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة ، وهذا على أن فيه لفظة « الجبّ » ، وهي وزنها ونطقها ، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشّدة في الجيم المضمومة » « 1 » . ويظهر فضل الرافعي هنا في كشف الغموض الذي اكتنف رأي صاحب الطراز ، فصار الجمال عنده موضوعيا ينطلق في إثبات القيمة من الجميل نفسه ، فنحن نقرأ قوله تعالى :
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
« 2 » وقوله تعالى :
وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ
« 3 » ، ونرجّح جمال أكواب على كوب ، وجمال ألباب على لبّ ، لكننا لا نرضى بمجرد ذكر الثّقل في حالة الإفراد ، وهذا الشيء مفسّر من خلال توالي حروف ثقيلة عند الرافعي كاللام والباء ، ووجود الآية :
لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ
« 4 » ، لا يمثّل إشكالا ، لأن طبيعة الجيم غير طبيعة اللام . ومن المواضع التي نقف عندها إشارة يحيى العلوي إلى جمال صيغة الجمع في كلمة « أصوافها » ، وذلك في قوله تعالى :
وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثاً وَمَتاعاً إِلى حِينٍ
« 5 » ، فإذا احتيج إلى إفرادها ذكر العهن ، كما رأى الرافعي في القلب بدلا من إفراد الألباب ، يقول يحيى العلويّ : « واستعمالها مفردة ليس لائقا بالفصاحة ، ومن أجل هذا لمّا احتيج إلى استعمالها مفردة جاء بما يخالفها في لفظها كقوله تعالى :
كَالْعِهْنِ
هامش
( 1 ) الرافعي ، مصطفى صادق ، إعجاز القرآن ، ص / 232 . ( 2 ) سورة ص ، الآية : 29 . ( 3 ) سورة الغاشية ، الآية : 14 . ( 4 ) سورة يوسف ، الآية : 10 . ( 5 ) سورة النّحل ، الآية : 80 .