تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
الأرضين « 1 » ، فليس كل جمع مستحبّا ، فأراد صاحب الطراز أن يرصد لهذه الظاهرة الفنية مفردات قرآنية أخرى ، ولكنّه لم يضف كثيرا إلى ما جاء به تلميح سابقه ، وإذا كنّا نكتفي بالتلميح هناك ففي « الطّراز » المتخصص بأجزائه الثلاثة بالبلاغة القرآنية لا نقبل بالذوق الذي بني عليه حكم الجاحظ . وكذلك لم يقف على ظاهرة الجمع والإفراد سوى العلوي والرافعي ، وهذا يؤكّد قلّة البحث الموسيقى في بنية المفردات ، على الرّغم من كثرة الاهتمام بالمحسّنات اللفظية التي لها شأن كبيرة بالنّغم ، فلم يذكر أحد هذه الخاصية بعد العلوي إلّا الرافعي ، وفي الوقت نفسه نجد شاهد تشبيه أعمال الكفار بالسّراب في قوله تعالى :
أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً
« 2 » في كل كتب الإعجاز والبلاغة ، وكذلك ما يتّصل بالإيجاز وغيره ، والسبب - كما قلنا سابقا - أن الموسيقا الداخلية كانت عسيرة على الفهم والشّرح وتحتاج إلى إمكانات خاصة حاجة ماسّة . وهذا التقصير لا ينحصر فيما جاء من التراث الأدبي ، فإهمال التشكيل الصوتي وارد في كتب المعاصرين إلا ما كان من الرافعي بشكله المنهجي ، وسيّد قطب بشكله غير المنهجي ، فما لمسوه يعدّ يسيرا بالنسبة لاهتمامهم بالصورة البصرية والإيحاءات . وهذه المادة اليسيرة تسير وفق منهجين : الأول : منهج إجمالي ، فيه التلميح المبهم يطغى من خلال أسلوب الدارسين الخلّاب ، واهتمامهم بالعبارات العامة شأن الباقلاني ، وهؤلاء لم يربطوا الصورة السّمعية بنفسية المتلقّي ، أو بإحكام صورة المعنى . أما المنهج الثاني : فقد بسط فيه أصحابه هذه الجمالية محاولين الاتكاء على معيار يبعدهم عن الشّطط والغلوّ والتكهّن ، وظلّت نظرتهم جزئية لا تشمل الكثير من المفردات ، ولم يخصّصوا لهذا مكانا واسعا في بحوثهم ، بل حظي بصفحات قليلة في كل بحث .
هامش
( 1 ) الجاحظ ، البيان والتبيين : 1 / 14 . ( 2 ) سورة النور ، الآية : 39 . قيعة : جمع قاع أي فلاة .
جماليات المفردة القرآنية — صفحة 215 | احمد ياسوف