تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
وقد صوّر القرآن حالة المنافقين ، فاختار لقلقهم وفزعهم « مشوا » في قوله عزّ وجلّ :
كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ
« 1 » ، وهنا تختلف الحالة النفسية ، ومع هذا فالمشي مناسب ، لأن هؤلاء يطلبون الخلاص مما يفزعهم فيقعدهم البرق والرّعد ، ويضع حدّا لسرعتهم ، أما المشي في الآية السابقة فهو دليل اطمئنان وارتياح نتيجة عناد ، وهنا المشي مشوب بالخوف من ثورة الطبيعة المسخّرة ، حيث شدّة الظلام وكثافة المطر والبرق الذي يخطف الأبصار ، وفي هذا يقول أبو السّعود : « خطوات يسيرة مع خوف أن يخطف أبصارهم ، وإيثار المشي على ما فوقه من السّعي والغدوّ للإشعار بعدم استطاعتهم لهما » « 2 » . ومن مفردات تصوير البطء والانسياب ما جاء في الآية الكريمة :
وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ
« 3 » ، وقد تأمل البوطي جمال الحركة في « سارب » من خلال اللجوء إلى الأصل اللغوي ، ف « سارب » تعبّر عن الوضوح والمسير الهادئ المناسب ، وهو يقول : سارب بالنهار كلمة تصوّر لك الشيء إذ يسرب على وجه الأرض بارزا ، فأنت تقول : سرب الماء ، أي جرى في سجيّته على وجه الأرض بارزا متشعّبا يبرق ويلمع ، والكلمة زيادة على ما فيها من جمال التعبير تصوّر لك شدة وضوح هذا الإنسان وظهوره مقابل شدة اختفاء ذلك الآخر واستتاره » « 4 » .

- تصوير الحركة بالصوت :

من المحدثين من تلمّس جمالية البطء في التشكيلة الصوتية للمفردة نفسها ، أي توالي الفتحات والضمات ومواقع الشّدّات ، وطبيعة الأصوات ، وهذا المنهج يميّز تفسير قطب ، وقد تأكد سابقا في كتابه « التصوير الفني » كما نجده على قلّة من الشواهد في كتاب بدوي ، ثم راح الآخرون يؤكّدون هذه
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 20 . ( 2 ) أبو السعود العمادي ، محمد بن محمد ، إرشاد العقل السليم : 1 ، 55 . ( 3 ) سورة الرّعد ، الآية : 10 . ( 4 ) البوطي ، د . سعيد رمضان ، 1970 ، من روائع القرآن ، ط / 2 دار الفارابي ، دمشق ، ص ، 232 .