تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
الشّطر الآخر من صفة فاعليّتها الظاهرة . وقد عني القدامى بالحركة السريعة القوية ، لأنها أدعى للتذوق الجمالي لارتباطها بالاستعارة ، وكأنهم مروا بجمالية البطء في بعض المفردات ، ولمسوا فيها حياد المباشرة ، فلم يلتفوا إليه ، ونسرد هنا بعض المفردات ونبيّن ما جاء في ربطها بالمدلول النفسي وموافقتها للموقف . وللخطّابي لمحة جيدة من خلال إحالتنا إلى الفروق اللغوية عندما يذكر قوله تعالى حكاية عن المشركين :
أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ
« 1 » إذ يقول متملّيا جمال لفظ المشي وموافقته للموقف : « بل المشي في هذا المحلّ أولى ، وأشبه بالمعنى ، وذلك لأنه إنما قصد به الاستمرار على العادة الجارية ، ولزوم السّجيّة المعهودة في غير انزعاج منهم ، ولا انتقال عن الأمر الأول ، وذلك لأن المشي أشبه بالثّبات والصبر المأمور به ، وفي قوله : امضوا وانطلقوا زيادة انزعاج ليس في قوله « امشوا » والقوم لم يقصدوا ذلك » « 2 » . وكأن الخطابي يريد أن يقول : إن المشي أكثر من العدو والسعي ، وهو لذلك ألصق بالطبع ، بالثابت ، ويعبر في بطئه ونمطه المعهود عن عدم مبالاة المشركين بما سمعوا ، وعن إصرارهم على الكفر . وإنها للحركة الدالة على ارتياح ، فهي توافق الدافع الشعوري ، وتترجمه إلى واقع حسي ، وهذه سمة رفيعة امتاز بها القرآن الذي يحيل السّرد إلى مشاهد منظورة قاصدا غاية التأثير . وهاهنا لمسنا أن الحركة البطيئة تصوّر الحالة الشعورية ، وقد قال جويو عن الحركة الانسيابية : « فما هي الحركة التي تشعرنا إذ نحدثها أو نشاهدها بأنّها رشيقة ؟ إنها الحركة التي توهمنا بأنها خالية من كلّ جهد عضليّ ، فنرى الأعضاء تتحرك حرة طليقة كأنما يحرّكها النسيم » « 3 » .
هامش
( 1 ) سورة ص ، الآية : 6 . ( 2 ) الخطابي ، حمد بن محمد ، ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص / 39 . ( 3 ) جويو ، جان ماري ، مسائل فلسفة الفن المعاصرة ، تر : سامي الدروبي ، ص / 43 .