تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
ولدى الاستعانة بهذا يمكننا أن نعرض بعض المفردات التي خفي جمال حركتها على الدارسين ، فلم يتأملوه حقّ التأمل ، ولعلّ من أسباب هذا الخفاء أنهم تواكلوا على شواهد سابقهم ، فحين أراد البيان القرآني التعبير عن ضعف المسلمين وحماية الخالق لهم نقرأ قوله تعالى :
تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
« 1 » ، ففي الخطف قوة المعتدي ، وضآلة المعتدى عليه ، وهنا تبرز أهمية العناية السماوية ، وكأن المسلمين في مكة حينذاك دمى يلتقطها بقوة فرسان أهل الأرض ، كما دل التعبير ب « الناس » على هذا . ونقرأ عن انقلاب سحرة فرعون بعد رؤية البرهان الإلهي في المعجزة :
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ
« 2 » ، وهذا يصوّر الشعور القوي الذي ترسّخ في أعماقهم ، فنفضوا غبار الكفر ، وسجدوا للقوة العليا ، وكأن الشعور الجديد قد ألقى بهم على الأرض ساجدين ، ومما يضاف هنا أن الفعل مبني للمجهول لتصوير القوة الخفية الحقيقة بالعبادة ، والإنابة إليها ، وهنا يثار الخيال لتصوّر شيء يضغط على الجسوم فتجسّد مستسلمة . ومن المفردات الكثيرة ما جاء في قوله تعالى :
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ
« 3 » ، إنه السّعي الذي يكون أسرع من المشي . وكذلك سعي الرجل المؤمن في قوله تعالى :
وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى
« 4 » ليدافع عن موسى عليه الصلاة السلام ، فالسّرعة مطلوبة في هذا الموقف لانسجامها مع الدافع الشعوري القوي . وفي قوله تعالى :
وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى
« 5 » عن ابن أم مكتوم الرجل الأعمى ، إذ يصوّر لهفة هذا الأعمى إلى تعلّم الدّين ، فليس وجود « يسعى » هنا
هامش
( 1 ) سورة الأنفال ، الآية : 26 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية : 120 . ( 3 ) سورة الحديد ، الآية : 12 . ( 4 ) سورة يس ، الآية : 20 . ( 5 ) سورة عبس ، الآية : 8 .