تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
مرّوا بكلمات مستعارة تصور الحركة لا يذكرون الاستعارة ، كما هي الحال عند الباقلاني الذي بيّن جمال الانقلاب . ولعلّهم يمرّون بالحركة القوة - الانقلاب - غير آبهين بقدرتها التصويرية ، ففي قوله تعالى :
لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ
« 1 » نلمس سرعة التجار الكفار ، ونشاطهم بين المدن والقوافل ، وكأن البلاد الواسعة أطراف فراش يتقلّب بينها التاجر ، وهذا يعني عمق تأثير الموقف لدى الرسول الكريم ، ولا يكون هذا بكلمة « تجارة » أو « ذهاب » إنه تقلب . وفي هذه الآية يقول أبو السّعود : « وإنما جعل التقلّب مبالغة أي لا تنظر إلى ما عليه الكفرة من السعة ، ووفور الحظ ، ولا تغترّ بمظاهر ما ترى من التبسّط والمكاسب أو المتاجرة أو المزارع » « 2 » . وقول مثل هذا يدلّ على إجمال التذوق الذي يلجأ مباشرة إلى مصطلح المبالغة ، ولا ينير الناحية الفنية في تجسيم الحركة ، وقد ذكرت معاني التقلب والانقلاب في القرآن خمسا وثلاثين مرة ، وهي دالة على قوة الحركة وسرعتها ، وعدم تذوق هذه الصورة ينطبق على المحدثين باستثناء قطب الذي يعدّ تفسيره أكبر رصيد لجمال الحركة ، لأن تفسيره عني بالتصوير ، فأجاد في التعبير عن قدرة المفردة على الرسم ، وإن كانت له هفوات تمخّضت عن ذوق فردي . يقول تعالى :
فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً
« 3 » ، وتعني الآية انتشار خبر موت الرسول الكريم في غزوة أحد ، وتأنيب الخالق للمؤمنين ، ويقول سيد قطب : « وفي التعبير تصوير حي للارتداد ، فهذه الحركة الحسية في الانقلاب تجسم معنى الارتداد عن هذه العقيدة ، وكأنه منظر مشهود ، والمقصود أصلا ليس حركة الارتداد الحسية بالهزيمة في المعركة ، ولكن حركة الارتداد النفسية » « 4 » .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 196 . ( 2 ) أبو السعود العمادي ، محمد بن محمد ، إرشاد العقل السليم : 2 / 135 . ( 3 ) سورة آل عمران ، الآية : 144 . ( 4 ) قطب ، سيّد ، في ظلال القرآن ، مج 1 : 4 / 486 .