تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
في نفسه ، كما حدث في تفسيره لقوله عز وجل :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ
« 1 » ، يقول : « وأي تعبير آخر ما كان ليرسم أمام المخيّلة هذا الاستعراض كما رسمته هاتان الكلمتان العاديتان في موضعهما المختار - ألم تر - » « 2 » . إنه يخصّ استعراض المشهد وتجسيمه بهاتين الكلمتين ، وما وقع عليه يمكن أن نلقي فيه ضوءا آخر ، من حيث النظم ، إذ ينتفي النّفي بوجود الاستفهام بالهمزة مع حرف النّفي ، ليفيد غاية القوة في الإثبات ، ثم يأتي اختيار فعل « تر » المعبّر عن الرؤية ، ليؤكّد صدق الخبر الذي يرويه الخالق ، لأن البصر أكثر برهانا من الخبر ، فلم يذكر البيان القرآني تعبير « ألم تسمع » أو « ألم تخبر » أو غير هذا ، وفعل الرؤية يطرد في كل الأخبار التي يرويها الخالق لنبيّه الكريم ، مثل أخبار عاد وثمود وفرعون والطير الأبابيل ، ففي الفعل رسم لمشهد من غيب الزمن الماضي . ومن دواعي النّصفة القول بأنه لم ينفرد بالوهم والمبالغة ، وأنه استوفى القرآن كله ، كما صنع الزمخشري ، وهذا الشمول لدى قطب لم يمنع من إهماله لبعض المفردات المجسّمة عندما يشغل بالرواية وبالجانب الفكري ، ونحن نجد في كتبه الثلاثة الجدّة والأصالة ، فإذا قرأنا كتب معاصريه توالت الإحالات إلى بدوي ، ومن القدامى الزمخشري وابن الأثير خاصّة ، وممن دار في فلك بدوي الدكتور بكري الشيخ أمين ، وحفني محمد شرف ، وعدنان زرزور ، وغيرهم كثير . لذلك نقف على ما هو غير مكرّر ، يقول بدوي الذي اتسمت دراسته بالعمق : و « لهذا الميل القرآني إلى ناحية التصوير نراه يعبّر عن المعنى المعقول بألفاظ تدل على محسوسات مما أفرد له البيانيون علما خاصا به دعوه علم البيان ، وحسبي الآن أن أبين ما يوحيه هذا النوع من الألفاظ في النفس ذلك أن تصوير الأمر المعنوي في صورة الشيء المحسوس يزيده تمكّنا من النفس ،
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 243 . ( 2 ) قطب ، سيد ، في ظلال القرآن ، مج / 1 : 2 / 265 .