والحق أن الختم على القلوب يوحي بالقوة ، وبثبات الفكر في أعماق المنافق ، وأعراض المرض تفيد التقلّب ، ومثل نظرة دراز تستأهل التقدير لدقّة النظر ، وقد قال تعالى :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها
« 1 » ، فالقفل يفيد القوة والثبات .
قد كان ينتظر من المحدثين منهجية أدقّ في تفصيل جزئيات التصوير القرآني ، فهو يتخذ مفهوما عاما عند قطب يشمل الصورة والتعبير بالحرف والنغمة ، وأما سائر الدارسين ، فقد زينوا كتبهم بنتف متناثرة هي أحوج إلى الترتيب والمعيارية .
وتنقصهم النظرة الشمولية ليس في استيفاء السور كلّها ، بل في متابعة اللفظة الحسية المستعارة في كل البيان القرآني ، مما قد يعطينا رأيا جديدا ، وثباتا لفهم أسلوب القرآن ، فمثلا إذا أردنا أن نتحدث عن تجسيم كلمة « ثقيلا » في قوله تعالى :
وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا
« 2 » فلا بدّ من استقصاء لوجود هذه الكلمة في حيز الاستعارة لتتبدّى لنا معالم جماليتها فنذكر قوله تعالى :
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا
« 3 » . في مخاطبة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، وقوله عن الساعة :
ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً
« 4 » ، ومنه نجد أن الثقل خصّ بالدعوة الإسلامية لجلالها ، وأهمية التكليف بالإيمان ، وخصّ يوم القيامة بالثقل ، وهو كائن زمني محدّد ومعنوي ، فالثقل يبعث على تهويل أمره لما يجد فيه الكافرون من مشقّة ، وكذلك الأمر في ثقل الساعة ، وكأنها تهبط على القلوب ، فتغلظ فيها ، وكأنها مادة يعاني وطأتها الإنسان ، ويتكسر قلبه .
والمحدثون لم يمنهجوا جمالية المفردة ، لأن كتبهم غير مختصة بالبلاغة القرآنية غالبا ، بله المفردة القرآنية ، فأغلب كتبهم تحدثت عن علوم القرآن كلّها ، وخصّصت الفصول القليلة للبلاغة القرآنية ، وإذا جنحوا إلى تخصيص
هامش
( 1 ) سورة محمد ، الآية : 24 .
( 2 ) سورة الإنسان ، الآية : 27 .
( 3 ) سورة المزّمّل ، الآية : 5 .
( 4 ) سورة الأعراف ، الآية : 187 .