تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
وإنه ليكاد يتخيل الاضطراب الحسي في وقفتهم ، وهم يترجّحون بين الثبات والانقلاب » « 1 » . لقد دلّ الزمخشري على غاية القلق في كلمة « حرف » ، لكن سيّد قطب يضيف إثارة الخيال لتملّي الجمال القرآني ، وغالبا ما يستثير الخيال في صورة تدلّ على الحركة ، فالقرآن في منظوره صور تتحرك ، وأشخاصه كائنات لها فاعلية مستمرة ، فالموقف المضطرب عند الزمخشري ، وتخيّل الحرف عند قطب . ولكن ما هي أسس قطب في مسألة التجسيم هذا ؟ إن هي إلا الذوق الخاص والعاطفة الشديدة ، وهذا ما يوصله إلى بعض من التوهم كما سنرى في مكان آخر . وهو لا يعتمد علم الدلالة ، أو علم الأصوات ، أو الموروث اللغوي ، أو دقة الفروق في دراسة المفردات ، أما الزمخشري فقد ارتبط ذوقه الشخصي بالذوق العام ، وتأكد بترسيخ المعنى في اللغة ، وطبيعة النفس والحياة ، وكأنما عرف قطب ذوقه الفرديّ النابع من عاطفة ، فهو يذكر « يكاد » ليحدّ من مبالغته . ومما يعد أصالة في كتبه تلك الوقفات الرائعة على البيان القرآني في كلمات لم ينتبه القدامى إلى تجسيمها ، ومثل هذا في قوله تعالى :
وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
« 2 » يقول سيد قطب : « تجسيم لهذا المعنى ، وأي تعبير ذهني عن اللّجاجة في الخطيئة ما كان ليشعّ مثل هذا الظل الذي يصوّر المجترح الآثم حبيس خطيئته : يعيش في إطارها ، ويتنفس في جوّها ، ويحيا معها ولها » « 3 » . فالقرآن يقدم أفكارا محسوسة ، ويبعدها عن التجريد الذهني لأجل التأثير بأقصى فاعليته . لكننا كثيرا ما نجد قطبا في تفسيره يظن التجسيم في كلمات مجسّمة بصوتها ، أو بوجودها ، ولا نستطيع أن نتوصل إلى ما يدلي به ، وصحّة ما وقر
هامش
( 1 ) قطب ، سيّد ، التصوير الفني ، ص / 42 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 80 . ( 3 ) قطب ، سيد ، في ظلال القرآن ، مج / 1 : 1 / 86 .