تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جماليات المفردة القرآنية — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
فقرة للمفردة تحدّثوا عن جمالها الموسيقى ، ولكنّ متابعة قدرتها التصويرية في التجسيم والتشخيص كانت ضئيلة . كما يجب علينا ألا ننتظر سياق الاستعارة الواضحة صنيع القدامى ، إذ أهملوا ما يكون في إحكام الصورة ، من مثل قوله عز وجل :
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ
« 1 » فالصفة هنا تضيف شيئا آخر إلى حسية التذوق ، والاهتمام بهذا أجدر من التأكد ، إن كان العرب ذكروا مثل هذه الاستعارة أو تلك أو لم يذكروا ، وكان من الممكن أن يقال « عذاب عظيم » كما يرد في غير مكان ، ولكنه البيان القرآني الذي يفضّل حسية كل معنوي ليس مراعاة للعرب ، بل موافقة للجنس البشري . ومن الطبيعي أن يستقي الباحث جمالية التجسيم من فصول الاستعارة والتشبيه ، وهذا واضح في كتب القدامى والمحدثين ، وإن المحدثين لم يضيفوا الإضاءة على الكلمة المجسّمة في الآية ، فهذا مستفاد من إقرار الباحث القديم بوجود استعارة أو تشبيه ، فلا بدّ من وجود كلمة نقلت من مجال إلى مجال آخر ، أو يشبّه معنويّ بحسّي أو ما « تقع عليه العين » كما أراد الرماني . كما أن القدامى فهموا أن حسية التجسيم لا تطلب لذاتها ، بل لما وراءها من إيحاءات نفسية ، قال ابن الأثير : « وأما فائدة التشبيه من الكلام فهي أنك إذا مثّلت الشيء بالشيء ، فإنما تقصد به إثبات الخيال في النفس بصورة المشبّه به أو بمعناه ، وذلك أوكد في طرفي الترغيب فيه أو التنفير عنه » « 2 » . ولم تقصر أفهام القدامى عن استيعاب هذه الدلائل النفسية ، وإن عبارة « تشبيه المعقول بالمحسوس » لا تختلف عن مفهوم التجسيم إلا اختلافا اصطلاحيا لا يمسّ المضمون . وإنهم اهتموا كما اهتم المحدثون بالكلمة المجسّمة ، ذلك الإكسير الذي يقوم بعملية التحويل ، ويكمن في صلب الجملة القرآنية ، ونحن لم نستنطق تأملاتهم ما لم يكن فيها بدءا من الرماني ، وينطبق هذا على جهود المحدثين .
هامش
( 1 ) سورة فصّلت ، الآية : 50 . ( 2 ) ابن الأثير ، ضياء الدين ، المثل السائر : 1 / 394 .