الحديث ، صار بيانا لتلك الآية المجملة ، لا ناسخا لها ؛ وذلك لأن الحديث يتكلم عن اللائي يأتين الفاحشة ، والفاحشة هنا تشمل السحاق والزنا ، فخص حكم الزنا بالكلام ، وبقي حكم السحاق على عموم الآية ، وهذا من قبيل بيان المجمل ، وليس من قبيل النسخ .
والقول بنسخ آية النور لهما قول مردود ؛ إذا الآيتان في النساء لا تعارضهما آية النور ، وقد أمكن تفسير آيتي النساء بما لا يتعارض مع آية النور ، فقد قيل إن آية :
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ
نزلت في السحاقات ، وأن آية :
وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ
نزلت في اللواطين ، وحدّهما : الإيذاء بالقول والفعل ، أما آية النور فنزلت في الزناة والزواني ، وقد يؤيد هذا التفسير أن المذكور في الآية الأولى صيغة الإناث ، وفي الآية الثانية صيغة الذكور ، ولا ضرورة إلى القول بالتغليب الذي يزعمه القائلون بالنسخ ، ولا يكون في آيتي النساء تكرار ، لأن الآية الأولى في السحاق ، والثانية في اللواط .
وهذا التفسير يبين أن لكل آية حكمها ، وموضوعها الخاص مما لا يؤدي إلى التعارض الذي من أجله قال بعض العلماء بالنسخ .
7 - الفصل في قضايا الكتابيين بمحاكمنا : وهو على التخيير الوارد في قوله تعالى في اليهود :
فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً
« 1 » .
دعوى النسخ : قيل : إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
« 2 » .
والحقيقة أن هذا ليس بشيء ؛ لأن حكم التخيير الذي تدل عليه الآية ثابت أما قوله :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
فلبيان المواد التي يحكم بها القاضي إن اختار الحكم ، ولم يرفض القضية التي عرضت عليه للفصل فيها .
وقد قيل : إن التخيير ورد في أهل العهد الذين ليسوا من أهل الذمة ، كبني قريظة وبني النضير .
هامش
( 1 ) المائدة : 24 .
( 2 ) المائدة : 49 .