فأمرهم باجتناب الخمر ، كما أمرهم باجتناب الميسر والأنصاب والأزلام ، فأصبح الشرب حراما في كل وقت ، من ليل أو نهار ، فكان هذا ناسخا للمفهوم من تخصيص وقت الصلاة بالنهى عن الشرب فيه .
ونحن نرى أن ما بين هاتين الآيتين من باب التدرج في التشريع ، وهنا قد تدرج الشرع في تحريم الخمر ؛ لأنها كانت عادة مستأصلة في نفوسهم ، والتدرج في التشريع منهج من مناهج القرآن الكريم في الأحكام .
قال القرافي : « الذي يظهر لي أن الخمر لم تكن مباحة ، بل مسكوت عن تحريمها ، ثم حرمت ، ورفع المسكوت عنه ليس نسخا ، ويدل على ذلك ما حكاه الغزالي وغيره من العلماء أن القدر المسكر لم يبحه الله تعالى في ملة من الملل ، بل أجمعت الشرائع على تحريمه ، إنما الخلاف في القدر الذي لا يسكر .
فعندنا حرام ، وفي شريعة التوراة مباح على ما يقال ، وما حرمه الله تعالى في جميع الملل لا يليق بهذه الشريعة التي هي أتم الشرائع في استيفاء المصالح ودرء المفاسد - إباحته فيها ، بل إذا لم تتمكن الكلمة سكت عنه ، كما سكت عن الدماء والأموال وغيرها في ابتداء الإسلام ، ولم يقل أحد أنها كانت مباحة في أول الإسلام ، بل كانت الشرائع تتجدد أولا بأول ، ولم يتقدم إباحتها بتجدد ، فكذلك هاهنا ، هذا هو مقتضى القواعد والمناسبة » « 1 » .
12 - أحكام القتال ، قال تعالى :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
« 2 » .
قيل إنها نسخت بقوله تعالى :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
« 3 » .
ونحن نرى أن الآية تدل على أن المسلمين في حال القوة يجب عليهم الثبات لعشرة أمثالهم من الكفار .
والآية الثانية تدل على أن المسلمين في حال الضعف يجب عليهم الثبات
هامش
( 1 ) نفائس الأصول 6 / 2461 .
( 2 ) الأنفال : 65 .
( 3 ) الأنفال : 66 .